رواية جديدة

موقع أيام نيوز

صفعت أمي ابني بسبب لعبة صغيرة، بينما جلس الجميع حول المائدة وكأنهم لم يروا الډم الذي خرج من أذنه. لم أصرخ، ولم أدافع عن نفسي، ولم أدخل في أي شجار. حملت ابني وتوجهت به إلى المستشفى بصمت... لكن عندما عدت بعد ساعات وفي يدي التقرير الطبي ومحضر رسمي، تغيّر كل شيء داخل ذلك البيت.
كان عمر مصطفى ست سنوات فقط.
خلال عزومة عائلية في بيت أمي ببغداد، خطڤ ابن أختي كرار سيارة اللعب الحمراء الخاصة به. وعندما حاول مصطفى استرجاعها، صړخت أمي فجأة
لا تمد إيدك على الولد!
ثم وجهت له صڤعة قوية جعلت رأسه ينحرف إلى الجانب.
ساد الصمت في الغرفة.
لثوانٍ فقط.
ثم عاد كل شيء طبيعيًا وكأن شيئًا لم يحدث.
احتضنت أختي هناء ابنها كرار وكأنه هو الضحېة، وقالت
حبيبي... خوّفك هذا الولد؟
هذا الولد.
هكذا كانوا ينادون ابني دائمًا.
ليس مصطفى.
وليس حفيدي.
بل هذا الولد.
وقف مصطفى قرب الطاولة وعيناه مليئتان بالدموع، بينما كان يحتضن سيارته الحمراء بقوة.
كانت لعبة رخيصة اشتراها والده من سوق شعبي قبل ۏفاته.
لكن بالنسبة له كانت أغلى من الذهب.
وأمي كانت تعرف ذلك.
الجميع كانوا يعرفون ذلك.
ومع ذلك، لأن كرار أرادها، كان يفترض أن يحصل عليها.
ففي ذلك البيت، كل ما يريده كرار يصبح ملكه.
قلت بصوت مرتجف
يمّه...
لكنها لم تنظر إلي أصلًا.
وقالت ببرود
ربّي ابنك زين يا زينب. كرار أصغر منه.
وكان هذا كذبًا.
كرار عمره ثماني سنوات.
أما مصطفى فعمره ست سنوات.
لكن كرار ابن هناء.
وهناء كانت دائمًا الابنة المفضلة.
الابنة المثالية.
التي لم تتزوج ميكانيكيًا بسيطًا.
التي لم تصبح أرملة وهي صغيرة.
التي لم تعد إلى بيت أمها ومعها طفل وحقيبة وۏجع لا ينتهي.
رفع مصطفى يده نحو أذنه.
وعندما أبعدها ظهرت قطرة ډم صغيرة على أطراف أصابعه.
في تلك اللحظة توقفت عن سماع أي شيء.
لم أسمع زوج أختي وهو يقول إن الموضوع بسيط.
ولم أسمع هناء وهي تتمتم بأن مصطفى دائمًا يفتعل المشاكل.
ولم أسمع أمي وهي تطلب مني الجلوس لأن الطعام سيبرد.
كل ما رأيته كان طفلي الصغير وهو يرتجف.
حملته بين ذراعي.
فسألتني أمي
وين رايحة؟
قلت
للمستشفى.
فضحكت بسخرية.
مستشفى بسبب كف؟
لم أجبها.
لأنني لو تكلمت حينها لكنت صړخت.
ولو صړخت... ربما كنت سأبقى ضعيفة كما كنت دائمًا.
خرجت وأنا أحمل مصطفى.
وفي سيارة الأجرة، لم يبكِ بصوت مرتفع.
وهذا ما حطم قلبي أكثر.
اقترب مني وهمس
ماما... سويت شي غلط؟
قبلت جبينه وقلت
لا يا حبيبي... الغلط مو على الطفل اللي يتأذى.
وفي المستشفى سألت الطبيبة
منو اللي ضربه؟
ابتلعت ريقي بصعوبة وقلت
جدته.
توقفت الطبيبة عن الكتابة.
ثم سألت
أول مرة؟
كنت على وشك أن أكذب.
على وشك أن أحمي أمي مرة أخرى.
لكن مصطفى سبقني بالكلام.
وقال
لا.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
جلست الطبيبة أمامه وسألته بلطف
شتقصد يا بطل؟
نظر مصطفى إليّ بعينين صغيرتين وكأنه يستأذنني.
وهنا فقط أدركت أن صمتي طوال السنوات الماضية لم يكن سلامًا.
كان قفصًا.
همست له
احجيلها الحقيقة.
خفض رأسه وقال
جدتي تحبسني بغرفة الغسيل كلما يجي كرار للبيت. وتكول إذا أطلع أخرب عليه يومه.
وضعت يدي على فمي.
لكن مصطفى أكمل
وخالتي هناء أخذت حذائي الجديد حتى تعطيه لكرار. وجدتي كالت ما يحق إلي أحجي لأن إحنا ساكنين هنا ببلاش.
كل كلمة كانت تمزقني من الداخل.
كنت أعمل لساعات طويلة في صالون نسائي حتى أساهم في الطعام والكهرباء والدواء ومصاريف البيت.
ومع ذلك كانوا ينظرون إلي وكأنني عبء.
الأرملة التي لا مكان لها.
والابنة التي يجب أن تشكرهم على أي زاوية يمنحونها لها.
استدعت الطبيبة الأخصائية الاجتماعية.
ثم طبيبًا آخر.
وأُجريت لمصطفى الفحوصات والصور اللازمة.
وكانت النتيجة أسوأ مما توقعت.
التهاب في الأذن.
آثار واضحة على الخد.
وكدمات قديمة على ظهره كنت أظنها نتيجة اللعب.
قالت الأخصائية الاجتماعية
أستاذة زينب، الموضوع ما عاد مجرد مشكلة عائلية.
أومأت برأسي.
لم أبكِ.
ليس بعد.
البكاء له وقت

تم نسخ الرابط