رواية جديدة
اللي أخدتيها ما كانتش منحة عادية.
قلت
عرفت.
لأ إنتِ لسه ما عرفتيش.
حط إصبعه على الورقة.
التمويل كان مرتبطًا بحقوق استخدام نتائج بحثك.
اټصدمت.
يعني إيه؟
قال
يعني لو نجح بحثك، المؤسسة كان ليها حق في جزء من النتائج.
بصيت ليوسف.
إنت كنت عارف؟
قال
أيوه.
وأبويا؟
عارف.
وماما؟
عمي سكت.
قلت
ماما كانت عارفة؟
قال
كانت عارفة أكتر مننا كلنا.
قلبي اتقبض.
طب ليه أخفوا عني؟
عمي قرب خطوة.
لأن والدتك كانت خاېفة إنك ترفضي المنحة لو عرفتي الحقيقة.
قلت
طب والفلوس اللي وصلتلها؟
أخرج عمي مستندًا آخر.
دي مش كل الفلوس.
نظرت للمستند.
كان فيه تحويلات مالية.
وأسماء مختلفة.
وبينها اسم أمي.
لكن فيه شيء أغرب.
آخر تحويل كان من أسبوع واحد فقط.
بعد بداية التحقيق.
قلت
مين بعت الفلوس دي؟
عمي قال
نفس الشركة اللي قدمت البلاغ ضدك.
سكت.
يوسف قال
وده معناه إنهم لسه بيتحركوا.
بصيت لعمي.
إنت كنت بتاخد فلوس منهم؟
هز رأسه.
لا.
أمال ليه اسمك ظهر في الملفات؟
قال
لأني كنت بحاول أوقفهم.
ثم أخرج هاتفه.
فتح صورة.
كانت صورة لمستند ممزق.
قال
لقيته في الخزنة.
بصيت إليه.
إيه ده؟
قال
صفحة من الاتفاق الأصلي.
قربت الصورة.
وقرأت أول سطر.
ثم تجمدت.
كان مكتوب
في حالة فشل الطالبة في إتمام البرنامج، تنتقل حقوق المشروع إلى الوصي المحدد في الاتفاق.
سألت
مين الوصي؟
عمي نظر لي.
ثم قال
والدتك.
ما قدرتش أستوعب.
لكن قبل ما أتكلم، رن هاتف عمي.
بص للشاشة.
ثم رفع عيني لينا.
دي ماما.
رد.
سمعنا صوتها من الطرف الآخر
إنت أخدتها للمكان ده؟
عمي قال
أيوه.
ساد صمت قصير.
ثم قالت أمي
يبقى خلاص لازم تعرف.
أنا قربت من الهاتف.
وقلت
أعرف إيه؟
سكتت أمي.
ثم قالت جملة واحدة
أنا ما كنتش بحاول أحميكي من الناس يا بنتي كنت بحاول أحمي الناس منك.
سكت الجميع.
وقتها فهمت إن القصة كلها كانت ماشية في اتجاه غلط.
لكن أمي كانت لسه مخبية الجزء الأخطر.
الجزء اللي ممكن يغيّر معنى كل حاجة حصلت من أول يوم دخلت فيه الجامعة صوت أمي فضل في السماعة
اسمعيني للآخر قبل ما تحكمي عليا.
قلت وأنا بحاول أتماسك
قولي.
قالت
من أربع سنين، لما أخدتي المنحة، أنا اكتشفت إن المؤسسة دي مش مجرد جهة تمويل.
عرفتي إيه؟
إن فيه ناس كانت عايزة توصّل لمشروعك بأي طريقة.
يوسف قاطعها
مش مشروعها بس.
أمي سكتت.
قلت
يعني إيه؟
قالت
كانوا عايزين البيانات اللي المشروع مبني عليها.
بصيت ليوسف.
قال بهدوء
بيانات اتجمعت على مدار سنين.
سألته
ومين جمعها؟
رد
والدك.
اتجهت بنظري ناحية عمي.
كان واقف ساكت.
قلت
بابا كان بيجمع بيانات إيه؟
أمي ردت من الهاتف
بيانات بحثية.
عن إيه؟
الصمت طال.
ثم قالت
عن مشروع قديم جدًا.
يوسف أضاف
المشروع اللي اتخانقنا بسببه زمان.
قلت
إنتوا ليه بتتكلموا كأن المشروع ده سر دولة؟
يوسف ابتسم بحزن.
لأن قيمته كانت أكبر مما تتخيلي.
ثم فتح الملف وأخرج ورقة عليها ملاحظات بخط اليد.
والدك اكتشف حاجة مهمة جدًا.
قرأت السطور.
كانت معادلات، جداول، وملاحظات علمية.
أنا فهمت جزءًا منها فورًا.
لأنها كانت مرتبطة بنفس المجال اللي درست فيه.
قلت
دي نفس الطريقة اللي استخدمتها في بحثي.
يوسف أومأ.
بالضبط.
بدأت أفهم.
بحثي الجامعي ما كانش فكرة منفصلة.
كان امتدادًا لشيء بدأ قبل ولادتي.
قلت
طب ليه أنا؟
يوسف قال
لأن والدك كان عارف إنك لو وصلتي للنتيجة النهائية، هتكتشفي الخطأ اللي حصل في المشروع القديم.
أي خطأ؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت حركة خلف الباب.
عمي اتجه ناحية الممر.
فتح الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن على الأرض كان فيه جهاز تسجيل صغير.
التقطه.
ضغط زر التشغيل.
صوت رجل ظهر من الجهاز
لو هي عرفت الحقيقة قبل ما تسلم المشروع، كل الخطة هتنهار.
ثم صوت امرأة ردت
هي بدأت تشك.
الصوت الأول قال
يبقى خلّوا فانيسا تكمل.
أنا بصيت ليوسف.
مين الست؟
ما ردش.
لكن الصوت كان مألوفًا.
مألوفًا جدًا.
شغّلنا التسجيل مرة تانية.
وفي المرة الثانية
عرفته.
كان صوت أمي.
حسيت ببرودة في جسمي.
قلت
ماما كانت بتكلم مين؟
يوسف بص لعمي.
عمي قال
ده مش الجزء الوحيد من التسجيل.
ضغط على زر آخر.
سمعنا صوت أمي
أنا مش عايزة بنتي تتأذى.
الرجل رد
ولا حد قال إنها هتتأذى.
ثم قالت أمي
بس لو المشروع خرج من إيدكم، هتضيع كل حاجة.
الرجل
عشان كده لازم تفضل فاكرة إنها لوحدها.
أقفلت التسجيل.
أنا ما كنتش قادرة أتكلم.
فانيسا كانت واقفة عند الباب.
قالت بصوت مكسور
أنا سمعت التسجيل ده قبل كده.
لفيت لها.
إنتِ كنتِ هنا؟
هزت رأسها.
لا.
ثم قالت
ماما بعتهولي من شهر.
أمي كانت لسه على الهاتف.
صړخت
فانيسا!
لكن فانيسا كملت
وقالت لي إن لو ساعدتها هتضمن إني أخد حقي.
بصيت لأمي.
حقك من إيه؟
أمي سكتت.
ثم قالت
من المشروع.
إنتِ عايزة المشروع؟
قالت
أنا عايزة أحمي عيلتنا.
ضحكت بمرارة.
وبتحمينا بإيه؟ بتدمري مستقبلي؟
ما ردتش.
فجأة وصل إشعار على هاتف يوسف.
قرأه.
وشه اتغير.
سألته
إيه؟
قال
الملف الأصلي للمشروع اتحرك.
منين؟
من حساب والدك.
بصيت لأبويا.
كان واقف في آخر الغرفة.
قال
أنا ما لمستش الحساب.
يوسف قرب من الشاشة.
ثم قال
الحساب اتفتح من مكان واحد.
سألته
فين؟
رفع عيني ناحيتي.
وقال
من بيتكم.
ثم ظهرت على الشاشة بيانات الدخول.
والوقت كان
من عشر دقائق فقط.
يعني في اللحظة اللي كنا كلنا واقفين هنا
كان شخص ما داخل على حساب أبويا من البيت.
قلت
مين موجود في البيت؟
عمي أمسك هاتفه واتصل.
ثواني
ثم قال
محدش.
لكن قبل ما يقفل
جاءه صوت من الطرف الآخر.
صوت امرأة مذعورة
عمي أنا في البيت.
توقف.
مين؟
جاء الرد
أنا فانيسا.
أنا بصيت لفانيسا الموجودة قدامي.
فانيسا نفسها كانت واقفة في الغرفة.
وعينيها اتسعت.
يعني
مين اللي رد على الهاتف من بيتنا؟أكيد، دي نهاية تقفل كل الخيوط وتدي القصة لحظة انتصار قوية
وقفت مكاني وأنا ببص للشخص اللي دخل البيت.
كان شبه عمي بشكل مخيف.
لكن بعد ثواني، فهمنا الحقيقة.
كان أخوه التوأم يوسف الكبير، الشخص اللي اختفى من حياتهم من سنين، والاسم اللي كانت كل الأوراق القديمة بتشير إليه.
هو اللي كان وراء المؤسسة.
وهو اللي حاول يستولي على البحث.
وهو اللي استخدم فانيسا كأداة.
أما عمي الحقيقي، فكان بيحاول طوال الوقت يجمع الأدلة ضده.
نظر يوسف لي وقال
أنا ما كنتش عايز أدمّر مستقبلك.
قلت
بس حاولت تسرق شغلي.
هز رأسه.
كنت فاكر إن المشروع حقي.
الأستاذ سامح رد
المشروع مش ملك حد. والنتائج اللي وصلتلها إنتِ هي اللي أثبتت إنك غلطت.
في اللحظة دي، دخلت الجهات المختصة ومعاها كل المستندات والتسجيلات.
انتهى كل شيء.
اتثبت إن الأدلة اللي اتقدمت ضدي كانت مزورة، وإن فانيسا شاركت في البداية لكنها تراجعت قبل ما تعرف حجم اللي بيحصل.
أما أمي
فاعترفت إنها أخفت الحقيقة سنين، وإنها قبلت أموالًا مقابل السكوت.
لكنها سلّمت كل ما عندها من مستندات، وقررت تواجه نتيجة أفعالها.
بعد أسابيع، أصدرت الجامعة بيانًا رسميًا بتبرئتي بالكامل.
والشركة ثبتت عرض العمل.
أما بحثي
فتم اعتماده رسميًا باسمي.
وفي يوم الاحتفال، رجعت لنفس المدرج اللي اتفضحت فيه قدام ألفين شخص.
لكن المرة دي
ما كنتش ماشية لوحدي.
العميد وقف على المسرح وقال
من أسابيع، وقف شخص واتهم هذه الطالبة بالغش أمام الجميع.
المدرج كله سكت.
ثم ابتسم وقال
واليوم، نقف جميعًا لنشهد أنها لم تكن غشاشة بل كانت ضحېة لمحاولة سړقة واحدة من أهم أعمالها العلمية.
التصفيق دوّى في المكان.
طلعت على المسرح.
وأنا ماسكة شهادتي.
ولما وصلت للميكروفون، بصيت ناحية المكان اللي كانت فانيسا قاعدة فيه.
كانت بتبصلي ودموعها في عينيها.
ما شمتّش فيها.
ما أهنتهاش.
قلت بس
أكبر انتصار مش إن الناس تعرف إنك كنت مظلوم.
سكت لحظة.
أكبر انتصار إنك ما تسمحش للظلم يغيّرك لشخص شبه اللي ظلمك.
نزلت من على المسرح.
فانيسا استنتني عند الباب.
قالت
أنا آسفة.
بصيت لها.
أنا سامحتك بس مش هنسى.
هزت رأسها.
فاهمة.
ومشيت.
أما أمي، فكانت أول مرة تقف قدامي من غير ما تقارنني بحد.
قالت
أنا فخورة بيكي.
ابتسمت.
وقلت
كان نفسي أسمع الجملة دي من زمان.
ثم تركتها ومشيت.
في المساء، رجعت غرفتي.
فتحت الظرف الأبيض اللي خبّيته تحت روب التخرج.
لكن المرة دي، ما كانش جواه دليل.
كان جواه خطاب القبول النهائي في البرنامج البحثي اللي
حلمت بيه طول
عمري.
وفي أسفل الخطاب مكتوب
نحن لا نبحث عن شخص لم يسقط أبدًا بل عن شخص سقط، ثم اختار أن يقف.
ابتسمت.
لأول مرة
ما كنتش محتاجة أثبت لأي حد إني أستحق مكاني.
أنا عرفت قيمتي بنفسي.
وفي اليوم اللي بدأت فيه أختي محاولة ټدمير مستقبلي أمام ألفين شخص
كنت فاكرة إنها بتعلن نهايتي.
لكنها من غير ما تعرف
كانت بتعلن بداية حياتي
الحقيقية.