رواية جديدة
انحنى فيه جسدي من شدة الألم تلك الليلة.
وقفت أحدق فيه.
سألتني مريم
هل تريدين الخروج؟
هززت رأسي.
لا.
مشيت نحو الباب الرئيسي.
مددت يدي إلى القفلين.
القفلين نفسيهما اللذين أغلقهما حيدر، معتقدًا أن إغلاق الباب سيجعلني أستسلم.
ثم أخرجت مفاتيحي الجديدة.
فتحت الباب.
أغلقته.
ثم فتحته مرة أخرى.
لم أفعل ذلك لأنني بحاجة إلى تجربة المفتاح.
فعلته من أجل الذكرى.
ومن أجل ابنتي.
ومن أجل زهراء التي ضړبت ذلك الباب في تلك الليلة حتى لم يعد في صوتها شيء.
بعد عدة أشهر، انتهت إجراءات الانفصال وتسوية الحقوق المتعلقة بالعقار والالتزامات المالية، وتم بيع المنزل ضمن الإجراءات التي اعتمدتها الجهات المختصة في القضية.
استخدمت حصتي من المال في سداد ديوني، وتغطية تكاليف العلاج والدعم النفسي، ثم استأجرت شقة صغيرة في منطقة هادئة من بغداد قريبة من المساحات الخضراء والنهر.
في المساء كنت أسمع أصوات العائلات وهي تتمشى.
وضحكات الأطفال.
وضجيج المدينة بعيدًا.
بغداد بقيت كما هي.
مزدحمة.
قاسېة أحيانًا.
مرهقة.
ومكلفة.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات...
لم أشعر أنني أعيش داخل قفص.
ظل حيدر يقول إن ما حدث كان مجرد خطأ.
وظلت أم حيدر تقول إنني بالغت في كل شيء.
توقفت عن الرد.
بعض النساء يضيعن سنوات من حياتهن في محاولة إقناع من آذاهن بأنهن تألمن فعلًا.
أما أنا فلم أعد أريد إضاعة حليب ابنتي، ولا نومي، ولا بقية حياتي في محاولة إقناع أحد بذلك.
أكملت انتصار عامها الأول في ظهيرة ممطرة.
خبزت لها كعكة بالفانيلا.
كانت غير متساوية قليلًا، وأكثر حلاوة مما ينبغي.
أحضرت أم علي صينية طعام كبيرة.
وجاءت أمي بثوب أصفر صغير لانتصار.
وعندما بدأ الجميع يغنون لها أغنية عيد الميلاد، صفقت انتصار بيديها الصغيرتين، وكان الكريم يغطي أصابعها.
نظرت إليها.
وتذكرت ليلة القفلين.
طَق.
طَق.
ثم نظرت نحو باب شقتي الجديدة.
لم يكن فيه قفلان ثقيلان.
كان فيه منظار صغير، وسلسلة أمان، وجرس بسيط أهدتني إياه أم علي وهي تقول إنه يطرد الطاقة السيئة.
ضحكت حينها.
لكن أهم شيء في ذلك الباب لم يكن موجودًا في الخشب أصلًا.
كان داخلي.
لأن ذلك الباب لم يعد يحبس امرأة مذعورة.
بل أصبح يحمي أمًا تعلمت كيف تصنع طريقها بيديها، حتى عندما حاول الآخرون إغلاق كل الأبواب أمامها.
وفي كل مرة كانت انتصار تخطو خطوة صغيرة مترددة نحوي، كنت أعرف أنها لم تأتِ إلى الدنيا داخل سيارة الإسعاف من دون معنى.
لقد ولدت وهي تهرب.
ولدت وهي تقاوم.
ولدت لتذكرني كل يوم بأن الحياة لا تطرق الباب دائمًا قبل أن تدخل.
أحيانًا...
تكسره وتفتح طريقها بنفسها.