رواية جديدة

موقع أيام نيوز

يخرجون من بيوتهم.
بعضهم وقف قرب الأبواب.
بعضهم تظاهر بتنظيف الحديقة أو غسل الرصيف.
والبعض لم يتظاهر بشيء أصلًا.
في ذلك الحي الذي يعرف فيه الجميع سيارة كل جار تقريبًا، لم يكن أحد يحب التدخل في المشاكل العائلية.
أما الآن...
فالجميع كان يراقب.
وأنا أردتهم أن يروا.
أردتهم أن يفهموا أن البيوت الجميلة يمكن أن تتحول إلى سجون.
وأن الباب الخشبي الأنيق قد يخفي خلفه خوفًا لا يراه أحد.
وأن المرأة الحامل لا تحتاج إلى أن تكون عليها آثار واضحة حتى تكون في خطړ حقيقي.
عندما أخذوا حيدر، استدار نحوي للمرة الأخيرة.
وقال
هل ستدمرين حياتي؟
ملأني سؤاله بحزن قديم.
لأنه حتى في تلك اللحظة كان يعتقد أن النتائج التي يواجهها هي اڼتقام مني.
لم يكن يفهم أنه بنى ما وصل إليه بنفسه.
بكل صمت.
وبكل مرة خاف فيها من الوقوف أمام والدته.
وبكل مرة قال فيها
أمي تقول...
قلت
لا يا حيدر. أنا أحاول أن أنجو.
أما أم حيدر فلم تبكِ.
اكتفت بنظرة نحوي كانت تعد بحرب طويلة.
وقالت
لن تستطيعي فعل هذا وحدك.
ابتسمت لأول مرة منذ سبعة أيام.
وقلت
لم أشعر بالوحدة في حياتي بقدر ما شعرت بها وأنا بينكم.
ثم غادروا.
أصبح الشارع غريبًا.
كأن عاصفة قوية مرت منه قبل لحظات ثم اختفت.
كانت بعض الحقائب ما تزال على الرصيف، وإحدى أكياس المشتريات التي عاد بها حيدر ممزقة قرب الباب، بينما تحرك شريط التحذير الرسمي المثبت عند المنزل مع هواء بغداد الدافئ.
ومن بعيد كنت أسمع أصوات المدينة.
صوت دراجة عامل توصيل.
صوت بائع يمر في الشارع.
وضجيج السيارات المستمر.
بغداد كانت تواصل حياتها كأنها معتادة على ابتلاع أسرار الناس كل يوم.
ساعدتني أم علي على الجلوس.
وقالت وهي تضحك وتبكي في الوقت نفسه
هل تريدين أن أسخن لكِ شوربة دجاج؟
قلت
نعم.
قالت
لكن بدون فلفل وبدون أشياء ثقيلة. أنت خرجتِ للتو من ولادة.
ابتسمت.
كما تريدين.
تمتمت بدعاء وهي تنظر إلى انتصار.
ثم قالت
هذه البنت جاءت إلى الدنيا وهي تقاوم. حتى الباب المغلق لم يستطع إيقافها.
في تلك الليلة نمنا في منزل أم علي.
كانت غرفة جلوسها تفوح منها رائحة المنظف والقهوة الطازجة والبسكويت الذي أعدته عائلتها.
أعارتني حفيدتها بطانية وردية صغيرة للطفلة.
أما زوج أم علي، فوضع كرسيًا قرب الباب.
لم يكن ذلك ضروريًا.
ولم يكن هناك من سيأتي.
لكنه فعل ذلك لأنه فهم شيئًا لم أستطع أنا شرحه بالكلمات.
كان خۏفي ما يزال يحتاج إلى رؤية شيء يحرس الباب.
عند منتصف الليل استيقظت فجأة.
كنت أعتقد أنني أسمع الأقفال.
طَق.
طَق.
جلست بسرعة، وشعرت بحرارة قوية في صدري.
كانت انتصار نائمة إلى جواري بهدوء، وكفاها الصغيران منقبضين.
خرجت أم علي من المطبخ بصمت.
وكأنها كانت تعرف مسبقًا ما الذي حدث لي.
قالت
لا أحد هنا يا ابنتي.
قلت
لكنني أسمع الأقفال.
وضعت يدها على صدرها.
وقالت
سيحتاج الأمر إلى بعض الوقت حتى تخرجي صوتها من رأسك. لكنك ستفعلين.
كانت الأيام التالية ممتلئة بالتواقيع.
والمراجعات القانونية.
والجلسات.
والرضاعة.
والألم.
والأوراق التي لا تنتهي.
تعلمت أن أحمل حقيبة مستلزمات طفلتي
في يد، وملف القضية في اليد الأخرى.
وتعلمت أن أمر الحماية يمكن أحيانًا أن يمنح الإنسان إحساسًا بالأمان يشبه البطانية الدافئة.
وتعلمت أن طلب المساعدة لا يعني أنني ضعيفة.
وصلت أمي من خارج بغداد وهي تبكي منذ اللحظة التي نزلت فيها من السيارة.
ضمتني بحذر، كأنها تخشى أن ينكسر جسدي بين يديها.
ثم طلبت أن تحمل حفيدتها.
وعندما وضعت انتصار بين ذراعيها، نظرت إليّ وقالت الجملة التي كنت بحاجة لسماعها أكثر من أي شيء آخر
لن تعودي وحدك إلى ذلك البيت أبدًا.
ولم أعد.
بعد أسابيع، ذهبت مع مريم وأم علي واثنين من عناصر الشرطة لجمع أغراضي.
كان المنزل كما هو.
لكنه في الوقت نفسه كان مختلفًا تمامًا.
كوبي ما يزال في المغسلة.
وحقيبة المستشفى ما تزال قرب الباب.
وعلى أرضية المطبخ بقي أثر خفيف في المكان الذي
تم نسخ الرابط