رواية جديدة
ظهر.. والعدالة آتية. اختاري طريقكِ بنفسكِ.. فما زال هناك متسع من الوقت لتصنعي الخير. أغلقتُ الهاتف ونظرتُ إلى آدم، فقال بصوت هادئ الخۏف يجعل الناس تفعل أشياء لا تُحمد.. لكن من يعترف بخطئه فليس بشرير. سأعطيه فرصة.. فرصة واحدة ليعتذر ويعيد ما سرق.. وإلا سأذهب إلى القضاء بكل هذه الأدلة.
بقينا في المستشفى بقية اليوم، واتفقا على عدم إخبار أمي بكل تفاصيل ما حدث حفاظاً على صحتها. ومع حلول المساء، بدأت حالة أمي تتحسن تدريجياً، واستعادت وعيها بشكل أكبر. حين دخلنا عليها، ابتسمت بضعف وقالت بصوت أهدأ من السابق وجدتموه؟ أومأ آدم برأسه وقال وجدنا كل شيء يا فاطمة.. الحق عاد.. ولن يخيفنا أحد بعد الآن.
دمعت عيناها فرحاً، وقالت بصوت خاڤت الحمد لله.. الحمد لله الذي أقرّ عيني برؤيتكما معاً.. لقد كنتِما أمنيتي الوحيدة في هذه الدنيا.. أن أراكما معاً.. في أمان وسکينة.
الفصل الخامس العدالة والبداية الجديدة
مرت الأيام وأمي تتعافى بفضل الله ثم بفضل رعاية الأطباء ووجود آدم بجانبها الذي لم يفارقها لحظة. كنتُ أراه يُجلس بجانب سريرها ويُحدثها بكل رقة وحنان، ويحكي لها عن السنوات التي قضاها يبحث عنها، فتدمع عيناها وتحتضن يديه وكأنها تخشى أن يختفي فجأة. لقد كان لقاؤهما أجمل ما رأت عيناي، رغم ما شابه من مرارة السنين وآلام الفراق.
بمجرد أن استردت أمي عافيتها، اتخذ آدم خطوات جادة نحو استعادة حقوقنا. لم يكن متسرعاً ولا متهوراً، بل سار بخطوات واثقة مدروسة. بدأ بجمع الأدلة وتوثيقها، وتحدث مع المحامين، وقدم الشكاوى الرسمية مدعّماً بكل ما استخرجناه من الصندوق. لم يكن يريد الاڼتقام بقدر ما كان يريد إثبات الحقيقة وإعادة الحقوق لأصحابها.
لم يمضِ شهران حتى بدأت الأوراق تُثبت صحة كل ما قاله آدم. وثائق رسمية تُثبت تزوير شهادة الۏفاة، وشهادات من سجون تُثبت تعرضه للظلم، واعترافات من أشخاص كانوا متورطين في المؤامرة أُجبروا على الاعتراف خوفاً من العقاپ. حتى عمي نفسه، حين رأى الأدلة الدامغة التي تُدينه، ورأى أن آدم لا يطلب سوى الحق ولا يُريد الإضرار به أكثر مما أضره، سقط في يده واعترف بكل شيء.
جاء إلينا في المستشفى ثم في منزلنا الجديد، منكس الرأس خاشعاً، وقال بندم حقيقي لقد أخطأتُ خطأً فادحاً.. أعماني الطمع فأعمى بصيرتي.. لم أتوقع أنك ستعود يوماً يا أخي.. ولم أتوقع أن الحق سيعود بقوة. أنا مستعد لتحمل كل عواقب فعلي.. ومستعد لإعادة كل ما سلبته منكما.. وأعتذر منكما بكل تواضع.. فسامحاني.
نظر إليّ آدم ثم إلى أمي، وقال بصوت عميق القانون سيأخذ مجراه.. وسوف تُعاقب على ما فعلته. لكنني سأطلب من المحكمة أن تُخفف العقۏبة نظراً لاعترافك وندمك.. لأنني لا أريد أن يُعاقب أحد.. بل أريد فقط أن نعيش بسلام. لن أسامحك على ما فعلته بي.. لكنني سأسامحك من أجل فاطمة.. ومن أجل ابنتي.. ومن أجل أن تبقى لنا بقية من صلة رحم.
كانت كلماته عظيمة، تُظهر شجاعة ونبلاً لا يملكه إلا من عرف معنى المعاناة والظلم. انتهت القضية بعودة كل الممتلكات والأراضي والأموال إلينا، وحُكم على عمي بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ مقابل إعادة كل ما سلبه وعدم الاقتراب منا مجدداً. قبل بكل شيء، وغادر منزلنا وهو يُعاهدنا على ألا يعود ليُسبب لنا متاعب ما بقي من عمره.
وفي يوم صيفي جميل، وبعد أن خرجت أمي من المستشفى واستقر بها المقام في منزلنا الكبير الذي
استعدناه، اجتمعنا ثلاثتنا في حديقة المنزل. كانت أمي
تجلس على مقعدها المفضل بين الزهور، وآدم بجانبها يمسك بيدها، وأنا بينهما كالطفلة التي حُرمت من دفئهما طويلاً. نظرت إليّ أمي بابتسامة مشرقة وقالت هل تتذكرين يا بنيتي حين قلتِ لي يوماً ما إنكِ ستكونين طبيبة لتُعالجيني؟
ابتسمتُ وقلتُ بدموع فرح وها أنا ذا سأكمل دراستي.. وسأحقق حلمي.. بوجودكما بجانبي. التفتُّ نحو آدم وأضفتُ بصوت دافئ بوجود أبي.
ما إن نطقتُ بكلمة أبي حتى تغيرت ملامح آدم، ودمعت عيناه، وضمّني إلى صدره بقوة وحنان لم أشعر به من قبل. قال بصوت يرتجف من فرط العاطفة كلمتكِ هذه أغلى وأثمن من كل ما استعددناه من مال وممتلكات.. لقد كنتِ أمنيتي الوحيدة طوال هذه السنوات.. أن تسمعيني منكِ كلمة أبي. شكراً يا ندى.. شكراً لأنكِ قبلتِ بي.. وشكراً لأنكِ منحتني شرف أن أكون أباكِ.
بقينا كذلك طويلاً، نحتضن بعضنا بعضاً، وقد عاد إلينا ما سلب منا من زمن طويل. علمتُ حينها أن المال والممتلكات لا قيمة لها بجانب العائلة والدفء والانتماء. علمتُ أن الحق وإن طال حپسه لا بد أن يظهر، وأن الظلم مهما طال زمنه لا بد أن ينهار. وعلمتُ أن في هذا العالم خيراً كامناً لا يظهر إلا حين يشتد اليأس، وأن الله لا يضيّع أجر الصابرين أبداً.
وفي المساء، بينما كنتُ أنظر من نافذة غرفتي إلى القمر المشرق في سماء صافية، تذكرتُ ذلك اليوم في محطة رمسيس.. حين كنتُ واقفة وحيدة حزينة، لا أملك من أمر شيئاً، وكل الأبواب قد أُغلقت في وجهي. لولا ذلك الرجل الغريب الذي ظهر في وقتي المستحيل، لما عرفتُ أن الله يرسل لنا من يُعيد إلينا الأمل حين نظن أن كل شيء قد انتهى.
لم يكن مجرد رجل غريب.. بل كان قدري.. وكان أبي.. وكان الميلاد الجديد لي ولأمي.
وها قد بدأت رحلتنا من جديد.. رحلة مليئة بالأمل والعدالة والمحبة.. ومعاً سنتجاوز كل ما مضى.. وسنبني مستقبلاً مشرقاً نُضيء به ما تبقى من عمرنا.. لنُثبت للدنيا أجمعها أن الحب أقوى من المؤامرات.. وأن الحق أقوى من الكيد.. وأن العائلة هي كنز الدنيا الحقيقي الذي لا يُقدّر بثمن.
تمت القصة بحمد الله