رواية جديدة

موقع أيام نيوز

كانت مسكاني من جوا اتكسرت.
الراجل مسك شنطتي الصغيرة قبل حتى ما ألحق أرفض.
وسألني بهدوء
اسم والدتك إيه؟
قلت بصوت متقطع
فاطمة.
بصلي بثبات وقال
يبقى هنلحق فاطمة.
ومشيت وراه، وأنا جسمي كله بيرتعش... ومش عارفة إذا كنت رايحة ناحية معجزة... ولا داخلة على أغرب فصل في حياتي.
وماكنتش أعرف أبدًا إن الراجل الغريب ده، أول ما يوصل المستشفى... هيكتشف سر هيقلب حياتي كلها.
مشيت وراه خطوات متثاقلة، كأن قدمي مُعلقة بسلاسل من حزن وخوف. صوت خطواته كان واثقاً ثابتاً، يقطع ضجيج محطة رمسيس المزدحم، وكأن كل ضوضاء الناس والصړاخ والنداءات لا تُلامسه على الإطلاق. كنت أُحاول أن أُلحق به، عيناي لا تُفارقان ظهره، وأسئلة مُلتهبة ټضرب رأسي كالسياط من هو هذا الرجل؟ لماذا فعل هذا بي؟ هل هو ملاك أُرسل لي في لحظة ضعفي؟ أم أنه شړ مُقنع سينتظرني في نهاية الطريق؟
وصلنا لقطار الدرجة الأولى، عربته نظيفة ورائحة العطر الفاخر تملأ المكان، تناقض تام مع ملابسي المُبقعة بآثار المطهر والدم، وشعري المُبعثر الذي لم أجد وقتاً لترتيبه منذ بداية نوبتي التي استمرت لأكثر من اثنتي عشرة ساعة. أشار لي ليجلس بجانب النافذة، وقف أمامي للحظة، ثم مد يده بزجاجة ماء باردة وقال بصوت دافئ كأنه يُعزيني دون أن يلمسني اشربي.. أنتِ ترتجفين من رأسك حتى أخمص قدميكِ.
ترددت قليلاً، ثم أخذتها وشربت رشفات سريعة، الماء البارد سكن قليلاً من لهيب قلبي الذي يكاد ينفجر. جلس في المقعد المقابل لي، وضع حقيبته الجلدية بجانبه، ونظر إليّ بنظرة لا أستطيع وصفها.. ليست نظرة فضول ولا شفقة، بل نظرة من يعرف شيئاً لا أعرفه أنا. صمت طويل امتد لدقائق، لا يقطعه سوى صوت انطلاق القطر واهتزازاته الخفيفة. كنت أُريد أن أسأله ألف سؤال، لكن لساني ثقيل، وكل ما خرج مني في النهاية عبارة عن همس بالكاد مسموع لماذا تفعل هذا يا سيد آدم؟ أنا لا أعرفك.. ولا أملك شيئاً أُعطيه لك مقابل ما فعلته.
مال قليلاً نحوي، عيناه العميقتان كأنهما بئر من حكايات قديمة، وقال بصوت هادئ لا يخلو من حزن خفي ليس كل ما يُعطى يُؤخذ مقابل شيء يا ندى. فوجئت عندما نطق اسمي، فتراجعت للخلف متسائلة بقلق أنت تعرف اسمي؟ ابتسم بابتسامة خفيفة لم تصل لعينيه تماماً، وأجاب سأخبرك بكل شيء.. لكن أرجوكِ الآن.. اجلسي واسترخي قليلاً. الطريق طويل، وأنتِ تحتاجين لترتاحي قبل أن نصل.
كلماته كانت كأمر لا أستطيع رفضه، رغم أن شعوراً بالحذر لا يزال يملأ أعماقي. أخرجت هاتفي من جديد، رسالة أم حسن لا تزال تُعذبني، ورسالة منة الأخيرة التي كادت تُدمر ما تبقى من روحي. قرأت كلماتها مرة أخرى وبكرة متجيش ټعيطي عندنا وتطلبي فلوس جنازة. ضممت شفتيّ لكي لا تنطلق مني صړخة، ودموعي انهمرت رغماً عني، تسيل على وجنتيّ بلا صوت.
لم يقل آدم شيئاً، لم يطلب مني التوقف عن البكاء، ولم يُدلِ بنصيحة بلا معنى كالتي أسمعها طوال حياتي. فقط مد لي منديلاً أبيض ناصعاً، وبقي ينظر إليّ بصمت، وكأنه يُدرك أن الكلمات في هذه اللحظات لا قيمة لها، وأن الحزن وحده كفيل بكل الكلام. مسحت دموعي، وشعرت ببعض الخجل من حالتي أمامه، فأنا أبدو في أسوأ صورة يمكن أن أكون عليها، أمامه بهيكله الأنيق ورزانته التي تُبهر كل من يراه.
هي ستكون بخير.. قالها فجأة، وكأنه قرأ ما يدور في رأسي. أمك.. ستكون بخير. لا تدعي كلمات الناس السامة تقتلكِ قبل أن تصلِ إليها. رفعت رأسي ونظرت
إليه
تم نسخ الرابط