بعد ۏفاة زوجي

موقع أيام نيوز

تليفون المحامي.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
رد بسرعة.
وسكت يسمع.
ثم قال
إحنا نازلين حالًا.
قفل المكالمة.
وبص لي.
قلت بقلق
خير؟
قال وهو بيحاول يخبي توتره
فيه شخص وصل الفندق دلوقتي.
وقال إنه بيدور على الحاجة فاطمة.
استغربت.
مين؟
رد بهدوء
معرفش.
بس أول ما شاف صورة الحاج فتحي في الاستقبال... قال جملة واحدة.
سكت لحظة.
ثم قال
قولوا لفاطمة... أنا جيت أوفي بوعد اتأخر ستة وعشرين سنة اتجمدت في مكاني.
ستة وعشرين سنة؟
بصيت للمحامي، وقلت بسرعة
مين الراجل ده؟ كام سنة؟ شكله إيه؟
قال
في أواخر الستينات تقريبًا... شكله مرهق، وكأنه مسافر من بعيد.
قمت من مكاني من غير ما أفكر.
أنا والمحامي نزلنا نجري على بهو الفندق.
أول ما دخلت...
لقيته واقف عند الشباك، ضهره ليا.
لابس جلابية رمادي، وشعره كله أبيض.
أول ما سمع صوت خطواتي، لف ببطء.
ولما شافني...
نزل رأسه.
وقال
إنتِ... فاطمة؟
قلت
أيوه.
سكت ثواني، وبعدين قال
أنا اسمي عبدالعظيم.
الاسم ما قالليش حاجة.
لكن أول ما قال الجملة اللي بعدها...
حسيت إن قلبي وقف.
أنا آخر شخص شاف فتحي قبل ما يرجع البيت في الليلة اللي انتي فضلتي فاكرة إنها ليلة خيانته.
الصالة كلها اختفت من حواليا.
مابقتش سامعة غير صوته.
قعدنا في ركن هادي.
الرجل أخرج من شنطة جلد قديمة علبة صفيح صغيرة.
محطوط عليها شريط لاصق أصفر.
وقال
دي كانت عندي من سنة ألفين.
فتحت العلبة.
كان جواها...
ساعة يد.
ساعة فتحي.
الساعة اللي قال لي زمان إنها ضاعت.
لمستها بإيدي.
وفي ضهرها محفور
لفتحي... من فاطمة.
دي كانت هديتي ليه في عيد ميلاده الخمسين.
فضلت أبكي.
قلت
لقيتها فين؟
عبدالعظيم أخد نفسًا طويلًا.
وقال
ما لقيتهاش.
هو اللي ادهالي.
بصيت له باستغراب.
قال
ليلة ما قابلته، قلع الساعة من إيده وحطها في إيدي.
وقال لي لو مت قبل ما أقابلك تاني... سلّمها لفاطمة بنفسك.
المحامي قاطعه وقال
ليه ما سلمتهاش كل السنين دي؟
نزل عبدالعظيم عينه.
وقال
لأني ماكنتش أقدر.
كنت بره مصر.
ورجعت من شهرين بس.
طلع من جيبه ورقة مطوية بعناية.
وقال
ودي كمان.
فتحتها.
كان فيها سطر بخط فتحي
يا عبدالعظيم... لو رجعت ولقيتني مت، احكي لفاطمة الحقيقة اللي أنا مقدرتش أقولها.
بصيت لعبدالعظيم.
قلت
اتفضل... احكي.
بلع ريقه.
وقال
الليلة دي... ما بدأتش في محل الدهب.
بدأت قدام مستشفى.
اتسمرت.
كمل
أنا كنت واقف قدام الطوارئ، ومعايا بنت صغيرة عندها سبع سنين.
كانت محتاجة نقل ډم فورًا.
وأنا كنت غريب في البلد، ومحدش رضي يساعدني.
أول واحد وقف قدامي...
...كان فتحي.
سكت، ومسح دموعه.
دخل من غير ما يعرفنا.
تبرع پالدم.
ودفع تمن العلاج.
ولما خلص...
جرى على محل الدهب، لأنه كان بيخلص مشكلة عم سيد في نفس الليلة.
أنا كنت سامعة، لكن عقلي لسه بيجمع الخيوط.
عبدالعظيم قال
وفي الزحمة، وهو خارج...
...وقعت منه الساعة.
ثم أطرق برأسه وأضاف
لكن دي مش الحاجة اللي رجعت بيها.
وأخرج من جيب جلابيته ظرفًا أبيض قديمًا، مختومًا كما هو.
وقال وهو يناوله لي
الجواب ده فتحي كتبه في الليلة نفسها... لكنه غيّر رأيه، وما اداهولكيش أبدًا عبد العظيم سلّمني الظرف.
بصيت لخط فتحي للمرة الأخيرة.
فتحته... وأنا حاسة إن كل السنين اللي فاتت واقفة ورا ضهري.
كان الجواب قصيرًا.
لكن كل كلمة فيه كانت أثقل من اللي قبلها.
يا فاطمة... لو وصل لك الجواب ده، يبقى ربنا اداني فرصة أقولك الحقيقة اللي كان نفسي أقولهالك وأنا عايش. أنا لا كنت بطل... ولا ملاك. أنا كنت راجل بيحب مراته، وكل مرة كان بيحتار بين بيته وبين ۏجع الناس. يمكن غلطت لما خبيت، ويمكن كان لازم أثق فيكي من الأول. لكن فيه حاجة واحدة متأكد منها... عمري ما نمت ليلة وأنا قلبي مع واحدة غيرك.
دموعي نزلت على الورقة.
وكملت.
آخر طلب عندي... متعيطيش عليا. اضحكي. عيشي. وسافري كل مكان كنا بنحلم بيه. ولو شوفتي حد محتاج... ساعديه من غير ما يعرف مين ساعده. ساعتها هحس إن حلمنا لسه مكمل.
قفلت الجواب.
وضميته على صدري.
المحامي قرب مني وقال
فيه حاجة أخيرة.
ناولني مفتاحًا صغيرًا.
وقال
ده مفتاح علبة البسكويت القديمة.
فتحتها.
لقيت ورقة واحدة.
مش
فلوس...
ولا وصية.
كانت صورة ليا أنا وفتحي يوم كتب الكتاب.
وخلف الصورة كتب
شقى العمر ماكانش الفلوس اللي في العلبة... شقى العمر كان إنتِ.
في اللحظة دي...
ماقدرتش أمنع نفسي.
ضحكت.
أول ضحكة من يوم ۏفاته.
بكيت بعدها...
بس كانت دموع مختلفة.
دموع راحة.
رجعت القاهرة بعد انتهاء الرحلة.
وبعد أسابيع، جمعت أولادي.
حكيت لهم كل الحقيقة.
وقررنا نعمل حاجة باسم فتحي.
أسسنا صندوقًا صغيرًا لمساعدة المرضى والطلاب غير القادرين.
وكتبنا عليه نفس الاسم اللي كان على علبة الصاج
شقى العمر.
كل شهر كنا نحط فيه جزءًا من دخلنا.
من غير صور.
من غير إعلان.
ومن غير ما أي حد يعرف مين بيساعده.
وبعد سنة...
لقيت جوابًا صغيرًا بين أوراقي القديمة، كنت أنا اللي كتباه لفتحي يوم عيد جوازنا العاشر، وعمري ما اديتهوله.
فتحته.
كان مكتوب فيه
لو ربنا كتب إن واحد فينا يمشي قبل التاني... أوعى اللي يعيش يدفن نفسه مع اللي ماټ.
ابتسمت وأنا ببص للسما.
وقلت بهدوء
نفذت وصيتك يا فتحي...
وأخيرًا...
حققت رحلة العمر.
تمت.

تم نسخ الرابط