كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني

موقع أيام نيوز

النوافذ المشطوبة كما كانت تفعل سابقًا.
بل ترسم بيوتًا كثيرة الأبواب.
وفي كل بيت تقريبًا تضع مربعًا أسود على أحد الجدران.
وفي أحد الأيام سألتها
هل ما زال ذلك مكانًا للاختباء؟
هزت رأسها مبتسمة.
وقالت
لا يا جدتي.
ثم أشارت إلى الرسم.
وأضافت
الآن صار زر الطوارئ.
ضحكت.
ثم بكيت لاحقًا عندما لم تكن تنظر إليّ.
أما والدتها فتعمل في مكان قريب.
وتزورنا كثيرًا في المساء.
وأحيانًا نجلس نحن الثلاثة حول مائدة العشاء.
أرز.
ودجاج.
وسلطة.
وأطباق أحب إعدادها عندما أريد أن أدلل من أحب.
عاد إلى المنزل ذلك النوع الجميل من الضجيج.
ليس ضجيج الأوراق المخفية.
ولا ضجيج المكالمات التي تُهمس خلف الأبواب المغلقة.
بل ضجيج الصحون.
والواجبات المدرسية.
والتلفاز.
والضحكات.
أما أحمد...
فلم يعد يدخل هذا البيت.
يمكنه أن يرسل الرسائل.
ويمكنه أن يحضر الجلسات.
ويمكنه أن يقف أمام القضاة والمحامين.
لكن هذا المنزل لم يعد مفتوحًا له كما كان يومًا.
في ذلك الصباح داخل مطار البصرة، قال أحمد إنه يأخذني إلى فرنسا لأقضي سنوات تقاعدي هناك.
هذا ما قاله.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كان يأخذني بعيدًا عن بيتي.
وعن حساباتي.
وعن ذكرياتي.
وعن حقي في اتخاذ قراراتي بنفسي.
كان يريد أن يحولني إلى توقيع بعيد.
وإلى أم تشكره على كل شيء حتى وهي تفقد كل شيء.
لكن حفيدتي ذات الأعوام الثمانية وضعت ورقة صغيرة في يدي.
كتبت عليها كلمة واحدة
اهربي.
تظاهرت پألم في معدتي.
وغادرت المطار.
وبحثت عن المربع الأسود.
لكنني لم أجد أوراقًا ووثائق فقط.
وجدت آخر حماية تركها لي زوجي.
ووجدت شجاعة حفيدتي.
وحقيقة أم مريم.
والوجه الحقيقي لابني.
ووجدت شيئًا آخر ظننت أنني فقدته منذ زمن.
وجدت نفسي.
المرأة القادرة على الوقوف من جديد.
وإغلاق قبضتها على قرارها.
وعبور باب مفتوح لتختار حياتها بنفسها قبل أن يقررها الآخرون عنها.
يسألني بعض الناس أحيانًا
هل كان الإبلاغ عن أحمد مؤلمًا؟
بالطبع كان مؤلمًا.
هناك أوجاع لا نتجاوزها تمامًا.
بل نتعلم كيف نعيش معها.
لكن ألمًا أكبر كان ينتظرني لو صعدت إلى تلك الطائرة.
ولو اكتشفت متأخرة أنني لم أكن أسافر إلى فرنسا.
بل كنت أسافر نحو الصمت.
ولهذا ما زلت أحتفظ بورقة مريم الصغيرة.
داخل صندوق خشبي.
بجوار رسائل زوجي.
وبجوار مفتاح المربع الأسود.
وبجوار وصيتي الجديدة.
أفتح الصندوق أحيانًا.
وأقرأ تلك الكلمة المكتوبة بخط طفولي مرتجف.
اهربي.
لكنني لم أعد أقرأها باعتبارها كلمة خوف.
بل باعتبارها إرثًا.
لأن تلك الطفلة علمتني أن الإنسان يستطيع أن يولد من جديد في أي عمر.
حتى لو كان واقفًا عند باب مطار.
بقلب مكسور.
وحقيبة مهملة.
ويقين واحد فقط
إذا كان أحدهم يريد أن يبعدك عن كل ما تحب بحجة أنه يعتني بك، لكنه لا يمنحك حق الاختيار...
فذلك ليس اهتمامًا.
وليس حبًا.
الحب لا يسلب الإنسان إرادته.
ولا حقه في تقرير مصيره.
أما أنا...
أم أحمد...
فلم أُخلق لأختفي من أجل حب أي شخص.
مهما كان ذلك الشخص.

تم نسخ الرابط