كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني

موقع أيام نيوز

أكن خائڤة.
بل لأنني كنت خائڤة إلى درجة أن ساقيّ أخذتا ترتجفان تحت السروال الذي اختاره لي أحمد للسفر، وكأن حتى ملابسي لم تعد ملكي.
سرت نحو موقف سيارات الأجرة، وأنا أضم حقيبتي إلى صدري بقوة.
خلفي، كان المطار لا يزال يعج بضجيجه؛ حقائب تُجر على الأرض، وإعلانات متلاحقة، ووداعات أخيرة، لكنني شعرت وكأن كل مكبر صوت هناك ينادي باسمي.
أم أحمد... عودي.
لم يقل أحد ذلك.
لكن رأسي قاله.
بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.
كان ابني يتصل.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
لم أجب.
استقللت أول سيارة أجرة وجدتها.
سألني السائق
إلى أين يا سيدتي؟
فتحت فمي.
لكنني لم أعرف ماذا أقول.
فمنزلي في البصرة لم يعد منزلي، بحسب ما أخبرني ابني.
قال إنه في طور البيع، وإن عليّ السفر إلى فرنسا ريثما ينتهي من كل شيء.
لكن مريم كانت قد كتبت
ابحثي عن المربع الأسود.
المنزل.
النافذة المشطوبة.
والمربع الأسود.
العشار، قلت. بالقرب من شارع الوطن.
نظر إليّ سائق الأجرة عبر المرآة.
يبدو أن السماء ستمطر.
رفعت بصري إلى السماء الرمادية فوق البصرة.
إذن قد بسرعة.
وخلال الطريق، واصل ابني إرسال الرسائل.
أمي، هذا تصرف سخيف.
سأتصل بالشرطة.
مريم تبكي بسببكِ.
كانت تلك الرسالة هي التي كادت تدفعني إلى العودة.
مريم.
صغيرتي.
حفيدتي ذات الأعوام الثمانية، بضفيرتيها غير المتساويتين وأقلامها الملونة، خاطرت بشيء ما لتضع تلك الورقة في يدي.
لم يكن بوسعي أن أخذلها.
اتصلت بجارتي أم جاسم، التي عاشت بجوار منزلي منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
أجابت بصوت بدا وكأنني أيقظتها من قيلولة.
أم أحمد؟ ألم تكوني في طريقك إلى فرنسا؟
أم جاسم، أريد منكِ أن تنظري إلى منزلي من نافذتكِ. هل يوجد أحد هناك؟
ساد الصمت.
ثم سمعت صوت ستارة تُسحب.
هناك سيارة سوداء أمام منزلكِ. ورجلان يقفان عند الباب.
شعرت ببرودة تسري في مؤخرة عنقي.
أحمد؟
لا. ليس هو. إنهما يخرجان صناديق من المنزل.
أغمضت عيني.
بيتي في العشار.
البيت الذي عشت فيه مع زوجي سبعة وثلاثين عامًا.
البيت الذي تعلم فيه أحمد ركوب دراجته في الفناء، ورسمت فيه مريم أول رسوماتها على جدار المطبخ، واحتفظت فيه برسائل زوجي داخل علبة بسكويت قديمة.
أم جاسم، اتصلي بابن أخيكِ.
الذي يعمل في مركز الشرطة؟
لا، المحامي.
ماذا فعلتِ يا امرأة؟
نظرت إلى الورقة التي ما زالت في يدي.
أظن أنني استيقظت أخيرًا.
لم أتجه إلى المنزل مباشرة.
وفي منتصف الطريق، طلبت من سائق الأجرة أن يُنزلني أمام مقهى شعبي قديم، من تلك المقاهي التي لا تتوقف عن تقديم الشاي والقهوة في أي ساعة من اليوم.
دخلت، وطلبت كوبًا من الماء.
نظرت إلى شاشة هاتفي.
كانت هناك سبع مكالمات فائتة من أحمد.
تجاهلتها كلها.
ثم اتصلت بشخص لم أتحدث إليه منذ سنوات
الأستاذ سامي، المحامي الذي كان يتولى شؤون زوجي القانونية قبل ۏفاته.
أجاب الأستاذ سامي بصوته الجاف المعتاد
أم أحمد؟
قلت بسرعة
ابني يحاول أخذي إلى فرنسا رغمًا عني.
لم أسمع دهشة في صوته.
فقط انتباهًا كاملًا.
أين أنتِ الآن؟
في مقهى قريب من العشار.
لا تذهبي إلى المنزل وحدكِ.
هناك رجال بالفعل يخرجون صناديق منه.
ساد صمت قصير.
ثم قال
هل سبق أن وقّعتِ له وكالة عامة أو أي أوراق تمنحه حق التصرف نيابةً عنكِ؟
فكرت في الأوراق.
في أحمد وهو يجلس أمامي إلى طاولة الطعام، ويدفع الأوراق نحوي واحدة تلو الأخرى.
أمي، هذه مجرد إجراءات تخص البنك.
أمي، هذه لتسهيل بعض المعاملات.
أمي، لا تقرئي كل شيء، ستتعبين.
أمي، وقّعي هنا فقط.
ابتلعت ريقي.
وقّعت بعض الأوراق.
أمام كاتب عدل؟
نعم.
وهل كنتِ تعرفين بالضبط ما الذي وقّعتِ عليه؟
شعرت بالخجل.
خجل حارق وقاسٍ.
أنا التي أدرت مصاريف البيت سنوات طويلة.
أنا التي اعتنيت بزوجي خلال مرضه حتى آخر يوم.
أنا التي دفعت أقساط المدرسة، واشتريت حاجات البيت، وتابعت الفواتير والمراجعات الطبية وكل تفاصيل الحياة.
والآن كان عليّ أن أعترف بأن ابني نفسه جعلني أوقّع أوراقًا لم أفهمها.
لا.
خرجت الكلمة مني بصعوبة.
لم
تم نسخ الرابط