كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني

موقع أيام نيوز

يوبخني الأستاذ سامي.
ولعل ذلك وحده أنقذني من الاڼهيار.
قال بهدوء
أنا في طريقي إليكِ. لا تغادري مكانكِ. وأغلقي خاصية تحديد الموقع في هاتفكِ.
تجمدت لثوانٍ.
لا أعرف كيف أفعل ذلك.
كانت هناك فتاة تجلس إلى الطاولة المجاورة، ويبدو أنها سمعت جزءًا من المكالمة.
اقتربت منا بخطوات مترددة.
عذرًا... هل أستطيع المساعدة؟
بدت في أوائل العشرينيات من عمرها.
كانت ترتدي ملابس بسيطة، وتضع خصلات زرقاء عند أطراف شعرها.
خفضت صوتي وقلت
أظن أن ابني يتتبع هاتفي.
شعرت بسخف الجملة لحظة نطقتها.
لكن الفتاة لم تضحك.
مدت يدها قائلة
أعطيني الهاتف.
أخذته وبدأت تتنقل بين الإعدادات.
أغلقت خاصية الموقع.
وأوقفت مشاركة البيانات.
ثم فتحت أحد التطبيقات وأشارت إليه.
وهذا أيضًا.
نظرت إلى الاسم.
كان تطبيقًا يحمل اسمًا عاديًا لا يثير الشك.
لكنني لم أكن أعرفه أصلًا.
قالت الفتاة
هذا التطبيق يسمح بمتابعة موقع الهاتف.
شعرت بانقباض في صدري.
لم أقم بتثبيته.
أحمد هو من فعل ذلك.
أعادت إليّ الهاتف.
ثم قالت
لا تردي على المكالمات. اكتفي بالرسائل. الرسائل تبقى دليلًا إذا احتجتِ إليه لاحقًا.
شكرتها بصوت متقطع.
فربتت على يدي بلطف.
مرت جدتي بشيء مشابه منذ سنوات. لا تعودي إليه وحدكِ.
أغلقت المكالمة وجلست أنتظر.
وبعد نحو عشرين دقيقة، وصل الأستاذ سامي.
كان يحمل حقيبة جلدية سوداء تحت ذراعه.
وبدا على وجهه ذلك التعب الذي يرافق المحامين الذين أمضوا عمرهم بين المحاكم والمشكلات.
جلس أمامي مباشرة.
استمع إلى كل شيء.
قرأ الورقة التي كتبتها مريم.
واطلع على رسائل أحمد.
ثم رفع رأسه وقال
سنذهب إلى منزلكِ، لكن ليس وحدنا.
شعرت بالتوتر.
وماذا لو كان الرجلان مسلحين؟
هز رأسه.
لهذا السبب لن نذهب بمفردنا.
وفي تلك اللحظة، وصل ابن أخ أم جاسم.
كان اسمه مازن.
محامٍ متقاعد، تجاوز الستين بقليل.
كان يسير ببطء مستندًا إلى عصا خشبية، لكن عينيه كانتا حادتين كأنهما لا يفوتهما شيء.
صافحني ثم نظر إلى الأستاذ سامي.
وبعد أن استمع إلى شرح سريع لما يحدث، الټفت نحوي وقال
القانون يحميكِ يا أم أحمد، لكن المشكلة أن كثيرين لا يعرفون حقوقهم أو ېخافون المطالبة بها.
تنهدت.
لكنني وقّعت.
هز رأسه بهدوء.
التوقيع الذي يؤخذ بالخداع أو إخفاء الحقيقة ليس نهاية الطريق. لا يزال بإمكاننا الاعتراض عليه.
غادرنا المقهى بعد دقائق.
استقللنا سيارتين واتجهنا نحو العشار.
كانت أم جاسم تنتظرنا أمام منزلها.
وحين رأتني أسرعت نحوي.
وهي تقول
كنت أعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي. ذلك الولد لم يكن يتصرف على سجيته منذ مدة.
نظرت نحو بيتي.
كان الباب الخارجي مفتوحًا.
وسيارة نقل صغيرة تقف أمامه.
ورجلان يحملان صناديق ويخرجون بها من المنزل.
ما إن اقتربنا حتى تقدم أحدهما قائلًا
كل شيء نظامي يا جماعة. نحن نعمل بناءً على طلب صاحب الشأن.
لكن الأستاذ سامي لم يتراجع خطوة واحدة.
قال بصوت هادئ وحازم
لن يخرج شيء آخر من هذا المنزل قبل أن تبرزوا هوياتكم والأوراق التي تخولكم القيام بذلك.
تبادل الرجلان النظرات.
وبدا التردد واضحًا على وجهيهما.
أما مازن فكان قد أخرج هاتفه وبدأ بتصوير كل شيء.
تجاوزتهم ودخلت إلى المنزل.
فاستقبلتني رائحة الغبار المثار.
ورائحة عطر غريب لا أعرفه.
ورائحة أخرى لم تكن تُشم...
بل تُحس.
رائحة الخېانة.
كانت غرفة الجلوس في فوضى كاملة.
كتب زوجي الراحل موضوعة داخل صناديق كرتونية.
واللوحات التي كانت تزين الجدران أُنزِلت من أماكنها.
وكأن أحدهم كان يحاول اقتلاع حياتي من جذورها.
كانت ماكينة الخياطة الخاصة بي ملفوفة بغطاء بلاستيكي، وكأن أحدهم يستعد لشحنها إلى مكان لا أنتمي إليه.
وفي غرفة الطعام، كانت هناك مجموعة من الأوراق على الطاولة.
وبجانبها ملف أزرق.
التقطه الأستاذ سامي وبدأ يقلب صفحاته.
وفجأة تبدل وجهه.
اختفت ملامح الهدوء التي اعتدت رؤيتها عليه.
رفع رأسه ونظر إليّ.
أم أحمد... هذه وكالة عامة.
شعرت بانقباض في صدري.
وكالة لأي شيء؟
أجاب وهو يقلب الصفحات
إدارة الممتلكات. بيع العقارات. التصرف في الحسابات البنكية. التوقيع نيابةً عنكِ. وحتى اتخاذ قرارات تتعلق بإقامتكِ خارج العراق.
تجمدت في مكاني.
إقامتي؟
أومأ برأسه ببطء.
يبدو أن السفر إلى فرنسا

تم نسخ الرابط