كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني

موقع أيام نيوز

لم يكن زيارة مؤقتة كما أخبركِ أحمد.
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدمي.
فجلست على أول كرسي وجدته أمامي.
ماذا كان ينوي أن يفعل بي؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال مازن بصوت امتزج فيه الأسف بالڠضب
أن يبعدكِ عن كل شيء تعرفينه. هذا هو الجواب يا أم أحمد.
حدقت في الفراغ.
ثم تذكرت فجأة الرسمة.
المربع الأسود.
رفعت رأسي بسرعة.
المربع الأسود.
نهضت من مكاني واتجهت نحو الممر الداخلي.
كانت مريم ترسم دائمًا نافذة مشطوبة بخط أسود.
والآن فقط أدركت أي نافذة كانت تقصد.
نافذة غرفة الخياطة القديمة.
الغرفة الواقعة في آخر البيت، بجوار ساحة الغسيل الخلفية.
بعد ۏفاة زوجي، حولناها إلى غرفة لتخزين الأدوات والأغراض القديمة.
وتذكرت شيئًا آخر فجأة.
قبل سنوات، عندما كانت مريم في الخامسة تقريبًا، دخلت هذه الغرفة تبحث عن ألوانها. يومها وجدتها جالسة على الأرض بجوار النافذة، بينما كان زوجي يشير إلى جزء منخفض من الجدار ويتحدث معها بصوت خاڤت.
وعندما سألتُه عما يفعل، ضحك وقال
أحفادي أمناء أكثر من الكبار.
ثم الټفت إلى مريم وأضاف مازحًا
هذا صندوق الأسرار بيننا.
ضحكت وقتها ولم أسأله عن قصده.
ولم أفكر في ذلك الموقف مرة أخرى.
لكن يبدو أن مريم لم تنسه أبدًا.
وتذكرت فجأة أن أحمد كان يلح منذ سنوات على هدم تلك الغرفة بحجة تجديد المنزل وتوسيعه.
كان يقول دائمًا إنها لم تعد ذات فائدة.
دفعت الباب ودخلت.
كانت الغرفة مكتظة بالفوضى.
صناديق مفتوحة.
قطع قماش قديمة.
سلم معدني في الزاوية.
وعلب طلاء متناثرة هنا وهناك.
بدأت أبحث عن المربع الأسود.
على الجدار.
على الأرض.
خلف الباب.
لكنني لم أجد شيئًا.
في تلك اللحظة اهتز هاتفي.
كانت رسالة جديدة من أحمد.
أعرف أنكِ في المنزل. لا تجعلي الأمور تسوء أكثر من ذلك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وأريت الرسالة للأستاذ سامي.
قرأها ثم أعاد إليّ الهاتف.
وقال
احتفظي بها. كل رسالة قد تصبح مهمة لاحقًا.
نظرت حولي مرة أخرى.
بتأنٍ أكبر هذه المرة.
ثم رأيته.
بالقرب من أسفل الجدار.
خلف صندوق قديم مملوء ببقايا البلاط.
كان هناك مربع صغير أسود.
تقدمت نحوه.
في البداية ظننته قطعة زينة أو غطاءً لفتحة كهربائية قديمة.
لكن عندما اقتربت أكثر، أدركت أنه جزء معدني مطلي بنفس لون الجدار تقريبًا.
لذلك لم ألاحظه من قبل.
جثوت على ركبتي.
ومددت يدي نحوه.
لمسته بحذر.
ثم حاولت فتحه.
لكنه لم يتحرك.
في تلك اللحظة اقترب مازن من خلفي.
يبدو كأنه خزانة حائط مخفية.
حدقت فيه بدهشة.
لكن زوجي لم يخبرني يومًا بوجودها...
وتوقفت فجأة.
بل أخبرني.
أغمضت عيني للحظة.
وعادت بي الذاكرة سنوات إلى الوراء.
في الأيام التي بدأ فيها زوجي ينسى بعض الأشياء الصغيرة.
يومها أخذني إلى هذه الغرفة بالذات.
ووقف بالقرب من النافذة.
ثم قال لي
إذا شعرتِ يومًا أن أحمد تغير كثيرًا... فتذكري المربع الأسود.
في ذلك الوقت ظننت أنه يتحدث عن لوحة قديمة كان يبحث عنها ولم نجدها أبدًا.
لوحة.
مربع.
أسود.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لم يكن يقصد لوحة.
كان يترك لي إشارة.
إشارة لم أفهمها إلا الآن.
زوجي ترك خلفه دليلًا.
ومريم، برسوماتها المتكررة، أعادت ذلك الدليل إلى ذاكرتي.
وبينما كنت أحدق في الغطاء المعدني، بدأ الأستاذ سامي يفتش الرفوف القريبة.
وفجأة قال
وجدتها.
رفع مفتاحًا صغيرًا التصق أسفل أحد الرفوف بشريط لاصق قديم اصفرّ لونه مع الزمن.
أدخل مازن المفتاح في الفتحة.
ودار القفل بصوت خاڤت.
ثم انفتح الغطاء المعدني.
سمعنا جميعًا صوت طقة صغيرة.
وخلفه ظهرت علبة معدنية.
أخرجناها بحذر.
ثم فتحناها.
وفي تلك اللحظة شعرت وكأن حياتي كلها كانت مخبأة هناك.
رسائل بخط زوجي.
نسخ من سندات الملكية.
وصية رسمية.
ذاكرة إلكترونية صغيرة.
كشوفات حسابات مصرفية.
وفوق كل ذلك...
ورقة مطوية بعناية.
أمسكتها بيد مرتجفة.
كانت بخط زوجي.
الخط نفسه الذي كتب به رسائل الحب القديمة وقوائم المشتريات ومواعيد الأدوية.
لكن الحروف كانت أكثر اهتزازًا هذه المرة.
فتحتها وبدأت أقرأ
أم أحمد...
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهناك احتمال كبير أن أحمد حاول أن يفعل بكِ ما حاول أن يفعله معي.
بدأت أشك

في
تم نسخ الرابط