كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني
كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني لأقضي سنوات تقاعدي هناك، لكن في مطار البصرة الدولي دست حفيدتي ذات الثمانية أعوام ورقة صغيرة في يدي. فتحتها خلسة، فوجدت كلمة واحدة مكتوبة بقلم بنفسجياهربي.
تظاهرت فورًا بألمٍ حاد في معدتي واستدرت مغادرة المطار.
كان ابني أحمد سيأخذني من البصرة إلى فرنسا لأعيش معه هناك بعد تقاعدي. قال إنني تعبت كثيرًا في حياتي، وإنه لا يليق بي أن أبقى وحدي في بيتنا الصغير في منطقة العشار، بينما هو وزوجته وأطفاله يعيشون في أوروبا.
أمضيت أسبوعًا كاملًا أودع الجيران والأقارب. حتى أم جاسم، جارتنا منذ أكثر من ثلاثين سنة، بكت وهي وقالت
أسأل الله أن يكتب لكِ الراحة يا أم أحمد، وأن يرزقكِ أيامًا سعيدة هناك.
في صباح السفر، وصلنا إلى مطار البصرة الدولي. كنت متوترة، فهذه أول مرة أركب فيها الطائرة وأغادر العراق.
وبينما كنا ننتظر موعد الصعود، شعرت بيد صغيرة تمسك بكفي.
كانت حفيدتي مريم، ذات الثماني سنوات.
وضعت في يدي ورقة صغيرة مطوية وهمست بسرعة
جدتي، اقرئيها عندما لا يكون أبي ينظر إليكِ.
لم أملك الوقت لأسألها شيئًا.
خفضت مريم رأسها، وكأنها ارتكبت خطأً كبيرًا.
كان أحمد يقف بالقرب من شباك إنهاء الإجراءات، يحمل جوازات السفر ويبتسم تلك الابتسامة التي يرسمها دائمًا أمام الناس.
ثم الټفت إليّ وقال
أمي، هيا بنا، لم يبقَ سوى القليل على إغلاق باب التسجيل.
فتحت يدي قليلًا ونظرت إلى الورقة.
كانت هناك كلمة واحدة مكتوبة بقلم بنفسجي
اهربي.
شعرت فجأة وكأن ضجيج المطار قد اختفى. كان الناس يمرون من حولي وهم يجرون حقائبهم، وكان الأطفال يبكون، ورجل يقف قرب المدخل يبيع القهوة، لكنني لم أكن أرى سوى حفيدتي. كانت تضغط شفتيها بقوة، وعيناها تلمعان بالدموع.
ماذا معكِ هناك؟ سألني ابني وهو يقترب بسرعة أكبر مما ينبغي.
أغلقت قبضتي.
لا شيء. مجرد ورقة أعطتني إياها الصغيرة.
ابتسم، لكن عينيه لم تبتسما.
أمي، أرجوكِ لا تبدئي بتصرفاتكِ الغريبة. الطائرة إلى باريس لن تنتظرنا.
باريس. بحسب ما أخبرني، كانت شقة جميلة وأطباء ممتازون ونزهات في الحدائق وشيخوخة هادئة تنتظرني هناك. وبحسب ما قاله، لم يعد من المناسب أن أعيش وحدي في منزلي في البصرة، ولا سيما بعد أن بعته. وبحسب قوله، كان كل ما يفعله من أجل مصلحتي.
لكن منذ أسابيع، كان هناك شيء لا يبدو صحيحًا.
في البداية، كانت الأوراق التي جعلني أوقّعها بحجة تسهيل الإجراءات. ثم المكالمات الهاتفية التي كان يجيب عنها بعيدًا عني. وبعد ذلك، بدأت مريم ترسم المنزل نفسه مرارًا وتكرارًا؛ منزلًا بنافذة مشطوبة ومربع أسود بجوار الباب. وعندما سألتها عن معنى ذلك، قالت فقط
إنه المكان الذي لا يسمحون لكِ بمغادرته.
في ذلك اليوم، وأمام بوابة الصعود إلى الطائرة، أمسك ابني بذراعي بقوة أكبر مما ينبغي.
أمي، هيا.
أخذت نفسًا عميقًا ووضعت يدي على بطني.
لا أشعر أنني بخير.
مرة أخرى؟
أحتاج إلى الذهاب إلى دورة المياه.
نظر إلى ساعته.
خمس دقائق. إذا جعلتِنا نفوّت الرحلة، فأقسم أنني...
وتوقف فجأة، لأن زوجين مرا من أمامنا. ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة مجددًا.
سأنتظركِ هنا يا أمي.
سرت ببطء نحو دورات المياه. لم أركض، ولم ألتفت إلى الخلف. لكن قبل أن أصل إلى اللافتة الزرقاء، استدرت نحو المخرج.
انفتحت الأبواب الآلية، وصفع الهواء الدافئ وجهي كأنه نفحة حياة.
أخرجت الورقة وفتحتها بالكامل.
اهربي. لا تصعدي إلى الطائرة. ابحثي عن المربع الأسود.
وتحت الكلمات كان هناك رسم مهتز منزل، ونافذة مشطوبة، ومربع صغير أسود.
اهتز هاتفي.
أمي، أين أنتِ؟
ثم وصلت رسالة أخرى
وقفي عن هذه الألعاب.
توقفي عن هذه الألعاب.
قرأت الرسالة مرتين.
ثم حذفتها من الشاشة من دون أن أرد.
ليس لأنني لم