شاب مصري

موقع أيام نيوز

منها نفس الرجل الغريب.
كان واقفًا ويراقبهم.
الحاج صابر شافه.
وشه اصفر.
يوسف سأله
إنت تعرفه؟
الحاج صابر قال بصوت خاڤت
ده الشخص اللي كان بيشتري مني الأرض من سنتين.
يوسف اټصدم.
يعني إيه؟
الحاج صابر بص للرجل.
ثم قال
واللي أنا رفضت أبيع له كان الجزء اللي تحت منه البئر القديم.
في اللحظة دي
يوسف فهم إن الموضوع مش مجرد مرض.
ولا مجرد أرض.
ولا حتى مجرد مواشي.
في حد كان يعرف سر الأرض من قبل ما يوسف يرجع للقرية.
وكان مستني اللحظة المناسبة عشان ياخده.
لكن يوسف ما كانش يعرف إن الكراسة اللي في إيده فيها معلومة أخطر من كل اللي عرفه لحد دلوقتي
معلومة ممكن تكشف مين تسبب في ضياع الكراسة الأصلية قبل عشرات السنين يوسف فضل ساكت، لكن عينه ما فارقتش الرجل اللي واقف بعيد.
الرجل ما حاولش يقرب.
بس كان واقف كأنه مستني حاجة.
الدكتور كريم قال
خلينا نرجع للمزرعة الأول. عندنا عجل مريض ولازم نتصرف بسرعة.
رجعوا للحظيرة.
العجل كان لسه واقع على الأرض.
الدكتور بدأ يفحصه بدقة، وسجل كل عرض ظهر عليه.
يوسف وقف جنبه.
هو نفس المړض؟
الدكتور رد
لسه بدري نحكم.
ثم رفع رأسه.
بس في حاجة غريبة.
إيه؟
الأعراض مختلفة عن الحالات اللي شفتها عند الحاج صابر.
يوسف اتفاجئ.
يعني إيه؟
هناك المړض منتشر بسرعة. هنا العجل ده عنده أعراض تنفسية بسيطة، لكن مفيش نفس التدهور.
يوسف افتكر كلام جده
لا تكرر خطئي.
قال
يمكن جدي كان يقصد إننا ما نحاولش نعالج الحيوان قبل ما نعرف السبب.
الدكتور ابتسم.
أهو كده بدأت تفكر زيه.
قضوا ساعات في متابعة العجل.
وبعد منتصف الليل، بدأت حرارته تنخفض.
وفي الصباح
وقف العجل على رجليه.
يوسف تنفس براحة.
الدكتور قال
نجا.
لكن بدل ما يفرحوا فقط، قرروا يعملوا مقارنة بين الحظيرتين.
نفس السلالة تقريبًا.
نفس العمر.
لكن الفرق كان في طريقة التربية.
التهوية.
المياه.
النظافة.
والغذاء.
الدكتور كتب كل شيء.
ثم قال
لو النتائج المعملية أكدت اللي إحنا شايفينه، نقدر نعمل نظام وقائي للمزارع اللي لسه ما اتأثرتش.
يوسف قال
وممكن نساعد اللي اټصاب بالفعل؟
نقدر نقلل الخسائر، لكن لازم كل مزرعة تتعامل حسب حالتها وتحت إشراف بيطري.
يوسف هز رأسه.
في نفس اليوم، بدأ يساعد الحاج صابر في تحسين التهوية وتقليل الزحام وعزل الحالات المړيضة، بينما كان الدكتور كريم يتابع الحيوانات ويحدد العلاج المناسب.
بعد يومين، حصل شيء لم يتوقعه أحد.
عدد الحالات الجديدة في مزرعة الحاج صابر بدأ يقل.
والحيوانات اللي كانت في بداية الإصابة بدأت تتحسن.
الخبر انتشر بسرعة.
وبدأت المزارع الأخرى تسأل عن الطريقة.
لكن يوسف رفض ياخد فلوس من أي حد.
قال
لو عرفنا نوقف الخسارة، يبقى ده مكسب للبلد كلها.
الحاج صابر سمعه.
وسكت فترة.
ثم قال
أبوك كان هيبقى فخور بيك.
يوسف اتجمد.
لم يكن يحب الحديث عن والده.
لكنه لم يرد.
الحاج صابر لاحظ ذلك، فقال
أنا عارف إن بينك وبين أبوك مشاكل.
يوسف قال
مش عايز أتكلم في الموضوع.
مش هتكلم.
ثم أضاف
بس في حاجة لازم تعرفها.
يوسف بص له.
أبوك زار الأرض دي قبل كده.
يوسف اټصدم.
إمتى؟
من حوالي عشر سنين.
ليه؟
الحاج صابر هز رأسه.
كان بيدور على حاجة.
يوسف سأل بسرعة
إيه؟
مش عارف.
طب ليه ما قلتليش قبل كده؟
الحاج صابر رد
لأني ما كنتش أعرف إنك رجعت.
يوسف سكت.
رجع البيت في نفس الليلة.
الحاجة زينب كانت مستنياه.
أول ما شافته قالت
عرفت؟
يوسف وقف.
إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا جه هنا؟
الحاجة زينب تنهدت.
أيوه.
يوسف اتضايق.
وليه محدش قال لي؟
لأن أبوك طلب مننا ما نتكلمش.
كان بيدور على إيه؟
الحاجة زينب بصت ناحية الأوضة القديمة.
على نفس الشيء اللي بتدور عليه إنت دلوقتي.
يوسف قرب منها.
إيه هو؟
قالت
الدفتر.
أي دفتر؟
الدفتر الأصلي اللي كان فيه كل أسرار الأرض.
يوسف سأل
بس إحنا لقينا كراسات جدي.
دي مش الأصلية.
سكت يوسف.
أمال فين الأصلية؟
الحاجة زينب قالت
أبوك أخدها.
يوسف حس إن الأرض اتحركت تحته.
إنتِ متأكدة؟
أيوه.
ليه؟
قال إنها لو وقعت في إيد الشخص الغلط، ممكن تضيع الأرض كلها.
يوسف بدأ يفكر.
لو والده كان عنده الدفتر
يبقى ليه ساب الأرض؟
وليه ما قالش له أي حاجة؟
وقبل ما يسأل أكثر
سمعوا طرقًا على الباب.
الحاجة زينب قالت
مين؟
صوت رجل من الخارج
يوسف عبدالسلام؟
يوسف فتح الباب.
كان رجل مسن، ماسك ظرفًا بنيًا.
قال
أنا كنت أعرف جدك.
ثم مد الظرف ليوسف.
ده كان لازم أوصله لك من سنين.
يوسف أخده.
إيه ده؟
الرجل قال
آخر رسالة كتبها جدك قبل ما ېموت.
يوسف فتح الظرف بيد مرتعشة.
وكانت الرسالة قصيرة جدًا
يوسف لو وصلت للحقيقة، لا تبحث عن الدفتر عند الغرباء.
ابحث عنه عند أقرب شخص إليك.
تحتها كان فيه سطر أخير
وأول شخص يجب أن تسأله هو والدك.
يوسف رفع عينيه.
ولأول مرة، السؤال اللي كان بيهرب منه سنين بقى قدامه مباشرة
إيه اللي كان والده يعرفه عن الأرض؟
وفي اللحظة نفسها، وصلته رسالة على هاتفه من رقم مجهول
لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك عند المخزن القديم قبل منتصف الليل.
يوسف بص للرسالة.
ثم بص للحاجة زينب.
وكان يعرف إن الليلة دي
هتغير كل حاجة يوسف فضل باصص للرسالة فترة طويلة.
الحاجة زينب لاحظت القلق في عينيه.
قالت
مين؟
يوسف ما أخبيش عليها.
ناولها الهاتف.
قرأت الرسالة، وبعدين رفعت عينيها له.
مش هتروح.
يوسف قال
لازم أعرف.
المعرفة مش معناها إنك تمشي ورا أي رسالة من مجهول.
الدكتور كريم، اللي كان لسه موجود في البيت، تدخل
لو هتروح، مش هتروح لوحدك.
يوسف اعترض
هو كاتب لوحدي.
الدكتور رد
وده بالضبط سبب إنك ما تروحش لوحدك.
اتفقوا إن يوسف يروح للمكان، لكن يفضل الدكتور كريم قريب منه، من غير ما يظهر.
وقبل منتصف الليل بقليل، وصل يوسف عند المخزن القديم.
القرية كانت هادئة.
والهواء بارد.
المخزن واقف وسط الظلام، والباب الحديدي بيصدر صوت خفيف مع كل نسمة.
يوسف دخل.
أنا جيت.
مفيش رد.
مشى خطوتين.
ثم سمع صوتًا من آخر المخزن
كنت عارف إنك هتيجي.
ظهر رجل في الظلام.
يوسف قرب خطوة.
وكانت المفاجأة
إنه الرجل الغريب.
قال يوسف
إنت اللي بعت الرسالة؟
الرجل رد
أيوه.
وعايز إيه؟
عايزك تسمع الحقيقة قبل ما تسمعها من شخص تاني.
يوسف سكت.
الرجل أخرج صورة قديمة من جيبه.
بص.
يوسف أخذ الصورة.
كانت لجده الأكبر، واقف جنب رجل أصغر سنًا.
يوسف حدق في الرجل.
ثم شهق.
ده أبويا.
الرجل هز رأسه.
الصورة دي اتصورت قبل ما تتولد بسنين.
يوسف قال
كان بيعمل إيه مع جدي؟
الرجل رد
كان بيساعده في البحث.
يوسف اټصدم.
يعني أبويا كان عارف كل حاجة؟
كان عارف جزء كبير.
طب ليه خبى عني؟
الرجل سكت قليلًا.
ثم قال
لأنه كان بيحاول يحميك.
يوسف ضحك بسخرية.
يحمني؟ وهو سايبني سنين وأنا فاكر إن الأرض دي مجرد أرض مهجورة؟
الرجل قال
لأن اللي حصل قبل كده كان خطړ.
يوسف قرب منه.
احكي.
الرجل أخرج دفترًا صغيرًا.
في آخر سنة من حياة جدك، بدأ ناس يعرضوا عليه فلوس ضخمة عشان يبيع الجزء اللي فيه البئر.
يوسف قال
مين الناس دي؟
شركة كانت عايزة الأرض عشان تعمل مشروع زراعي كبير.
وجدي رفض.
أيوه.
وبعدين؟
بدأت المشاكل.
الرجل فتح الدفتر.
محاولات لشراء الأرض بأسماء مختلفة. عروض أكبر. ضغط من ناس في المنطقة.
يوسف سأل
وهل حصل حاجة لجدي؟
الرجل هز رأسه.
هو ما اتأذاش، لكن حصل شيء أخطر.
إيه؟
اختفت الكراسة الأصلية.
يوسف قال
والدي كان عارف مكانها؟
كان آخر شخص شافها.
يوسف تجمد.
يعني هو أخدها؟
الرجل قال
أيوه.
يوسف سكت.
بس مش عشان يبيع الأرض.
ثم مد له مفتاحًا صغيرًا.
أبوك أخدها وخباها.
يوسف سأل
فين؟
الرجل قال
أنا ما أعرفش.
يبقى إنت عايز مني إيه؟
عايزك تعرف إن الناس اللي كانت بتدور عليها زمان رجعت تدور عليها دلوقتي.
يوسف سأله
والوباء؟
الرجل سكت.
يوسف كرر
هل الوباء له علاقة باللي بيحصل؟
الرجل رد بسرعة
ما تتهمش حد من غير دليل.
ثم قال
المړض حقيقي، ولازم يتعامل معاه الأطباء البيطريين. لكن في ناس استغلت ظهوره عشان تحاول تشتري الأراضي من أصحابها بأسعار قليلة.
يوسف بدأ يفهم.
لو المزارع خسړت مواشيها
أصحابها هيفقدوا مصدر دخلهم.
وساعتها بيع الأرض هيبقى أسهل.
لكن الرجل أضاف
وفي حاجة أخطر.
يوسف رفع عينيه.
إيه؟
الشخص اللي بيشتري الأراضي مش مهتم بالمواشي أصلًا.
أمال مهتم بإيه؟
الرجل أشار ناحية الأرض.
بالمياه.
في اللحظة دي
اتسمع صوت خطوات خارج المخزن.
الرجل اتوتر.
حد جاي.
يوسف بص للباب.
ثم سمع صوت عربية بتقف.
الرجل قال
لازم تمشي دلوقتي.
وأنت؟
أنا هتصرف.
يوسف خرج من الباب الخلفي.
اختبأ خلف سور قديم.
وبعد ثواني، شاف رجلين يدخلوا المخزن.
كان واحد منهم الحاج صابر.
والثاني
كان والد يوسف.
يوسف اتجمد مكانه.
والده واقف قدامه بعد سنوات طويلة.
لكن والده ما كانش يعرف إن ابنه واقف على بعد أمتار قليلة، بيسمع كل كلمة.
الحاج صابر قال
يوسف بدأ يعرف.
والده رد
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
الحاج صابر قال
يبقى لازم نوقفه قبل ما يفتح الدفتر.
والد يوسف سكت.
ثم قال
أنا مش هسمح لحد يقرب من الأرض.
يوسف حبس أنفاسه.
ولأول مرة فهم
إن والده لم يكن بعيدًا عن القصة كما كان يعتقد.
لكن السؤال الأكبر كان
هل والده جاء ليحمي الأرض أم ليخفي سرًا أخطر؟يوسف فضل مستخبي ورا السور، وكل كلمة من كلام أبوه كانت بتدخل دماغه زي الصدمة.
الحاج صابر قال
لازم تقول له الحقيقة.
والد يوسف رد بصوت هادي
الحقيقة مش كلها تتقال مرة واحدة.
الولد كبر.
عارف.
وبقى عنده مزرعة، و عجل، والناس كلها بدأت تتكلم عنه.
سكت الأب لحظة.
ثم قال
وده اللي مخوفني.
يوسف حس إن قلبه بيدق أسرع.
الحاج صابر سأله
إنت كنت فاكر إنه هيرجع للأرض؟
الأب رد
لا.
طب ليه ما حاولتش تمنعه؟
الأب تنهد.
لأني كنت عارف إن الأرض هتنادي عليه في يوم من الأيام.
يوسف اټصدم من الجملة.
الحاج صابر قال
بس الدفتر؟
الأب رد
لسه عندي.
يوسف كتم نفسه.
الدفتر عند أبوه.
الحاج صابر قال
ومين عايزه؟
الأب سكت.
ثم قال
نفس الناس اللي كانوا بيدوروا عليه زمان.
رجعوا؟
من فترة.
وعارفين إن يوسف بدأ يشتغل في الأرض؟
أيوه.
يوسف حس إن رجليه بتترعش.
لكن قبل ما يسمع أكتر، صدر صوت حجر تحت قدمه.
والده الټفت فورًا.
مين هناك؟
يوسف جرى.
طلع من الناحية التانية للمخزن، وسمع والده بينادي
يوسف!
لكنه ما وقفش.
جرى لحد ما وصل عند العربية اللي كان الدكتور كريم مستنيه فيها.
ركب بسرعة.
الدكتور سأله
إيه اللي حصل؟
يوسف قال وهو بياخد نفسه
أبويا عنده الدفتر.
الدكتور سكت.
وسمعتهم بيقولوا إن في ناس بتدور عليه.
رجعوا للمزرعة.
طوال الطريق يوسف ما اتكلمش.
كان عنده ألف سؤال.
لكن أهم سؤال كان
ليه أبوه أخفى الدفتر عنه؟
في الصباح، قرر يوسف يواجهه.
راح للبيت القديم اللي كان أبوه بيقعد فيه وقت زياراته للبلد.
وقف قدام الباب.
وخبط.
الباب اتفتح.
والده وقف قدامه.
ثواني طويلة مرّت من غير كلمة.
ثم قال
كنت عارف إنك هتيجي.
يوسف رد
إنت عندك الدفتر.
والده سكت.
يوسف قال
ما تنكرش.
والده دخل الصالة.
اقعد.
يوسف ما قعدش.
عايز أعرف الحقيقة.
والده بص له.
الحقيقة إن جدك كان بيحاول يحمي الأرض من ناس طمعانة فيها.
وإنت؟
أنا كملت اللي بدأه.
طب ليه سيبتني؟
السؤال خرج من يوسف بعفوية.
والده اتوجع، لكن ما ردش فورًا.
ثم قال
لأن وجودي في حياتك وقتها كان ممكن يجر عليك مشاكل أكبر.
يوسف قال پغضب
وأنا اللي دفعت الثمن.
الأب خفض عينيه.
عارف.
ليه ما قلتليش؟
لأنك كنت صغير.
أنا دلوقتي مش صغير.
الأب رفع عينه.
عشان كده أنا مستعد أقول لك كل حاجة.
ذهب إلى خزانة قديمة.
فتح درجًا سريًا.
وأخرج دفترًا جلديًا أسود.
وضعه أمام يوسف.
ده هو.
يوسف مد إيده.
لكن قبل ما يفتحه
الأب قال
في شرط.
يوسف بص له.
إيه؟
لو هتفتح الدفتر، لازم تكون مستعد تعرف حاجة ممكن تغير نظرتك لعيلتنا كلها.
يوسف قال
أنا عايز أعرف.
فتح الدفتر.
أول الصفحات كانت ملاحظات جده.
لكن بعد عدة صفحات
ظهر اسم لم يكن يوسف يتوقعه.
اسم والدته.
يوسف اتجمد.
قرأ السطر مرة.
ثم مرة ثانية.
ماما؟
والده سكت.
يوسف رفع رأسه.
هي كانت تعرف؟
والده قال
أيوه.
كانت تعرف عن الأرض؟
أكتر مما تتخيل.
يوسف بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وجد رسائل قديمة.
ملاحظات.
وتاريخًا قبل سنوات من زواجهما.
وفي آخر صفحة كانت هناك جملة مكتوبة بخط مختلف
إذا عاد يوسف إلى الأرض، يجب أن يعرف الحقيقة كاملة.
يوسف بص لأبوه.
إيه الحقيقة؟
الأب مد إيده وأشار إلى الصفحة الأخيرة.
اقرأ.
يوسف قرأ
الأرض ليست ملكًا لمن يحمل أوراقها بل أمانة لمن يعرف كيف يحافظ عليها.
ثم تحت الجملة كان فيه اسم شخص.
يوسف قرأه.
وتغير وجهه.
كان اسم الرجل الذي حاول شراء الأرض.
لكن بجانبه
تم نسخ الرابط