شاب مصري
المحتويات
أسفل الصفحة كان فيه رقم مكتوب بالقلم الړصاص
17
الدكتور كريم لاحظه.
قال
ده رقم إيه؟
يوسف هز راسه.
مش عارف.
لكن فجأة افتكر حاجة.
نفس الرقم كان موجود على باب مخزن قديم في آخر المزرعة.
المخزن اللي محدش استخدمه من سنين.
يوسف أخد الكراسة وجري.
الدكتور كريم والحاجة زينب وراه.
وصلوا للمخزن.
الباب كان مقفول بقفل صدئ.
يوسف حاول يفتحه، لكن القفل ما اتحركش.
الدكتور قال
استنى.
جاب قطعة حديد من الأرض، وبعد محاولتين انكسر القفل.
فتحوا الباب.
ريحة تراب قديم خرجت منه.
المكان كان مليان أدوات زراعية مکسورة وصناديق خشب.
لكن في آخر المخزن كان فيه دولاب حديد صغير.
وعليه نفس الرقم
17
يوسف قرب.
فتح الدولاب.
جواه ملف جلدي قديم.
فتحه.
وكانت الصدمة
تقارير بيطرية.
تحاليل.
رسومات للنباتات.
وتسجيلات مكتوبة بخط جده.
لكن وسط الأوراق كان فيه ظرف بني مقفول.
يوسف فتحه.
جواه ورقة واحدة.
كتب فيها جده
لو وصلت للورقة دي، يبقى الوباء رجع.
يوسف حس بقشعريرة.
كمل القراءة.
لا تبيع الأرض، مهما عرضوا عليك.
رفع يوسف عينه.
مين؟
مافيش إجابة.
رجع للورقة.
لأن الأرض ليست فقط أرضًا. تحتها سر يجعلها مختلفة عن كل الأراضي المحيطة بها.
الدكتور كريم قرب منه.
كمّل.
يوسف قرأ
منذ سنوات، اكتشفت أن مجرى المياه القديم يمر بالقرب من طبقة طبيعية غنية بعناصر نادرة، وعندما تنمو النباتات فوقها تتغير قيمتها الغذائية بطريقة لم أفهمها بالكامل.
الدكتور سكت.
يوسف قال
يعني جدي كان عارف إن العلف اللي بيطلع هنا مختلف؟
واضح.
قلب يوسف الورقة.
لكن آخر سطر كان أكثر غموضًا
ولا تجعل أحدًا يعرف الحقيقة كاملة لأن بعض الناس لن يروا في الأرض علاجًا للمواشي، بل سيرون فيها فرصة للثراء.
في نفس اللحظة
سمعوا صوت عربية بتقف خارج المخزن.
الحاجة زينب بصت من الشباك الصغير.
وشها اتغير.
يوسف سأل
مين؟
قالت
الحاج صابر.
خرج يوسف.
كان الحاج صابر واقف جنب عربيته، لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان معاه رجلين من خارج القرية.
الحاج صابر بص ناحية يوسف وقال
سمعت إن عندك حاجة جديدة.
يوسف سأل
حاجة إيه؟
الحاج صابر ابتسم ابتسامة غريبة.
الناس كلها بتتكلم عن مواشيك.
ثم قرب خطوة.
بيقولوا إنك لقيت سر في أرض جدك.
يوسف سكت.
الرجل اللي كان واقف جنب الحاج صابر قال
إحنا مش جايين نعمل مشكلة.
ثم أضاف
جايين نشتري جزء من الأرض.
يوسف رد فورًا
مش للبيع.
الرجل ابتسم.
حتى لو السعر كبير؟
مش للبيع.
الحاج صابر تدخل
يا يوسف، فكر بعقلك. الأرض دي مهجورة من سنين. إنت لسه عندك 19 سنة، ومش هتعرف تدير كل ده لوحدك.
يوسف بص له بثبات.
أنا هتعلم.
الحاج صابر سكت.
ثم قال جملة جعلت يوسف يشك أكثر
إنت مش فاهم إنت لقيت إيه.
يوسف سأله
وإنت فاهم؟
لأول مرة، اختفت الابتسامة من وجه الحاج صابر.
سكت ثواني.
ثم قال
أكتر مما تتخيل.
وركب عربيته ومشي.
يوسف فضل واقف يتابع العربية وهي بتبعد.
الدكتور كريم قرب منه.
إنت شاكك فيه؟
يوسف قال
أنا مش شاكك في حد.
ثم رفع الكراسة.
بس واضح إن جدي كان عارف إن اليوم ده هييجي.
وفي نفس الليلة
بدأت الأخبار تنتشر إن المړض وصل إلى قرية تانية.
وبعدها بساعات، وصل اتصال للدكتور كريم.
رد.
وشه اتغير.
قفل المكالمة وقال
المړض اتسجل في 11 مزرعة جديدة.
يوسف سأل
ومواشينا؟
الدكتور بص له.
ولا حالة.
يوسف سكت.
ثم قال
يبقى لازم نعرف ليه.
لكن قبل ما يبدأوا البحث
وصل خبر أخطر.
واحد من أكبر مربي المواشي في المنطقة أُصيبت عنده كل الحيوانات تقريبًا.
والناس بدأت تتجمع أمام مزرعته.
وفي وسط الفوضى
كان فيه شخص واحد واقف بعيد، بيراقب مزرعة يوسف من آخر الطريق.
ولما شاف النور انطفى في بيت يوسف
طلع هاتفه واتصل بشخص مجهول.
وقال
أيوه لقينا الأرض.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والولد بدأ يفهم السر.
وأغلق الهاتف في صباح اليوم التالي، يوسف صحى على صوت خبط شديد على باب المزرعة.
فتح الباب، فلقى الدكتور كريم واقف ومعاه رجلين من الإدارة البيطرية.
الدكتور قال بسرعة
لازم نفحص المواشي كلها.
يوسف اتوتر.
ليه؟
وصلتنا تعليمات إن أي مزرعة في المنطقة لازم تتفحص، خصوصًا المزارع اللي ما ظهرتش فيها إصابات.
يوسف فتح لهم البوابة.
دخلوا الحظائر، وفحصوا العجول واحدة واحدة.
حرارة.
تنفس.
عينين.
شهية.
معدل الحركة.
وبعد ساعة تقريبًا، أحد الأطباء وقف مذهولًا.
كلهم طبيعيين.
الدكتور كريم ابتسم، لكن ابتسامته كانت ناقصة.
قال
وده اللي مخوفني.
يوسف بص له.
ليه؟
لأن مقاومة المړض بالشكل ده مش مجرد صدفة.
في نفس اللحظة، واحد من الأطباء شاور ناحية حوض المياه.
المياه دي منين؟
يوسف شرح لهم قصة البئر القديم.
الطبيب طلب عينة فورًا.
ثم طلب عينة من العلف الأخضر.
وبعد ما خرجوا، قال الدكتور كريم
النتائج دي ممكن تغير طريقة تعاملنا مع المزارع كلها.
يوسف سأل
يعني نقدر نساعد باقي المواشي؟
الدكتور رد بحذر
ممكن نساعد، لكن لازم نعرف السبب الحقيقي الأول.
يوسف رجع للكراسة.
جدي كان عارف.
فتح الصفحة اللي فيها الملاحظات القديمة.
بس في صفحات ناقصة.
الدكتور كريم قال
يبقى ندور على النسخة الأصلية.
يوسف بص له باستغراب.
نسخة أصلية؟
الدكتور أشار للكراسة.
جدك كان بيسجل كل حاجة بالتفصيل. مستحيل يكون كتب أهم اكتشافاته في كراسة واحدة بس.
بدأوا البحث في المخزن.
صندوق وراء صندوق.
أوراق قديمة.
خرائط.
فواتير.
صور بالأبيض والأسود.
لكن مفيش شيء.
لحد ما الحاجة زينب قالت
استنوا.
كانت ماسكة صورة قديمة.
الصورة كانت لجده الأكبر واقف قدام الأرض، وخلفه مجموعة من الرجال.
يوسف قرب منها.
مين دول؟
الحاجة زينب قالت
ناس كانوا بيشتغلوا معاه زمان.
يوسف ركز في الصورة.
واحد من الرجال كان ماسك لوحة خشبية عليها رقم.
17
يوسف تجمد.
المخزن رقم 17
قلب الصورة.
على ظهرها كان فيه كلام مكتوب
المكان اللي بدأ منه كل شيء.
يوسف رفع عينيه.
يعني في مكان تاني؟
الحاجة زينب هزت رأسها.
يمكن.
خرجوا من المخزن وبدأوا يراجعوا الخريطة القديمة.
الخط الأزرق اللي رسمه جده كان ممتدًا لمسافة أبعد مما توقع يوسف.
كان خارج حدود الأرض الحالية.
واصل ناحية منطقة صخرية مهجورة.
يوسف قال
أنا عمري ما رحت هناك.
الدكتور كريم رد
يبقى نروح.
بعد ساعة، كانوا واقفين عند نهاية المزرعة.
كان المكان مليان صخور وأشجار برية.
مفيش أي علامة تدل على وجود شيء.
لكن يوسف لاحظ حجرًا كبيرًا عليه نفس الرمز القديم.
حركه.
ظهر تحته صندوق معدني صغير.
فتحوه.
جواه زجاجات قديمة جدًا، وبعض الأوراق.
لكن أهم شيء كان دفتر صغير.
يوسف فتحه.
وكانت أول جملة فيه
التجربة نجحت.
الدكتور كريم قرب منه.
بدأوا يقرأوا.
جده كان قد اكتشف أن نوعًا معينًا من النباتات البرية ينمو فقط في جزء محدد من الأرض، وأن المواشي التي تتغذى عليه بانتظام كانت تتمتع بصحة أفضل.
لكن كان فيه شيء آخر.
جملة تكررت أكثر من مرة
لا تستخدمه قبل معرفة سبب المړض.
الدكتور كريم قال
دي نقطة مهمة جدًا.
يوسف سأله
ليه؟
لأن جدك ما كانش بيتعامل مع النبات كدواء. كان بيعتبره جزءًا من نظام غذائي، والفرق كبير.
يوسف بدأ يفهم.
الموضوع ما كانش وصفة سحرية.
كان نظامًا كاملًا.
مياه نظيفة.
تهوية.
نظافة.
غذاء متوازن.
والنبات ده كجزء من التغذية.
لكن قبل ما يكملوا
وصلهم صوت محرك سيارة.
التفتوا.
عربية سوداء كانت واقفة بعيد.
نزل منها رجل.
كان نفس الرجل اللي شافه يوسف مع الحاج صابر.
لكن المرة دي كان لوحده.
قال بصوت مرتفع
يوسف!
يوسف ما ردش.
الرجل قرب.
أنا جاي أتكلم معاك للمرة الأخيرة.
يوسف قال
اتفضل.
الرجل أشار ناحية الأرض.
إنت لسه صغير، ومش مدرك قيمة اللي تحت رجليك.
يوسف سأله
وإنت عايز إيه؟
نشتري الأرض.
قلت لأ.
الرجل ابتسم.
مش لازم تبيعها كلها.
يوسف سكت.
الرجل كمل
بيع الجزء اللي فيه البئر والمزرعة القديمة.
الدكتور كريم تدخل
وليه الجزء ده بالذات؟
الرجل ما ردش.
وهنا يوسف فهم.
هو مش عايز الأرض كلها.
هو عايز يعرف مكان المياه.
يوسف قرب منه وقال
مين بعتك؟
الرجل ابتسم.
فكر في السؤال ده كويس.
ثم ركب عربيته ومشي.
الدكتور كريم بص ليوسف.
واضح إن الموضوع أكبر من الوباء.
يوسف رجع يبص للدفتر القديم.
وفي آخر صفحة
لقى خريطة صغيرة.
عليها علامة حمراء.
وتحتها جملة واحدة
إذا ظهر الوباء مرة أخرى، ابحث عن الحجر الأبيض قبل أن يبحث الآخرون عنك.
يوسف رفع رأسه.
وعلى بعد أمتار قليلة
كان فيه حجر أبيض كبير وسط الحشائش.
لكن قبل ما يروح له
سمع صوت صړاخ من ناحية الحظائر.
جرى بأقصى سرعته.
ولما وصل
لقى أحد العجول واقع على الأرض.
وكان أول عجل من ال تظهر عليه أعراض غريبة.
الدكتور كريم ركع جنبه.
فحصه بسرعة.
ثم قال
يوسف لازم نتحرك فورًا.
ماله؟
الدكتور رفع عينه.
دي أول حالة عندك.
يوسف بص للعجل، ثم بص للكراسة.
لأن جده كان كاتب جملة واضحة جدًا
إذا مرض أول عجل عندك، لا تكرر خطئي.
يوسف قلب الصفحة التالية بسرعة
لكن الصفحة كانت ممزقة.
والجزء الوحيد المتبقي منها كان يحمل ثلاث كلمات
اذهب إلى الحجر الآن يوسف ما استناش ثانية.
ساب الدكتور كريم مع العجل، وجري ناحية الحجر الأبيض.
كان قلبه بيخبط پعنف، وكل خطوة كان بيحس إن جملة جده بتتردد في دماغه
اذهب إلى الحجر الآن.
وصل عند الحجر.
لف حواليه.
مفيش حاجة.
حاول يحركه، لكنه كان تقيل جدًا.
نادى على عاملين من المزرعة، وبعد دقائق بدأوا يحفروا حوله.
وبمجرد ما شالوا التراب من جانبه
ظهر غطاء معدني صغير.
يوسف ركع وفتحه.
تحته كان فيه تجويف ضيق، وفيه صندوق خشبي ملفوف بقماش زيتي قديم.
طلعه بحذر.
الدكتور كريم كان وصل له.
قال
افتحه.
يوسف فتح الصندوق.
جواه ثلاث حاجات فقط
زجاجة زجاج صغيرة محكمة الغلق.
كراسة رفيعة.
ومفتاح نحاسي قديم.
يوسف مسك الكراسة.
أول صفحة كانت مكتوب فيها
إلى ابني أو إلى من يأتي بعدي.
بدأ يقرأ.
لو وصلت إلى هنا، فاعلم أنني لم أكن أبحث عن علاج لمرض بعينه. كنت أبحث عن طريقة تجعل الماشية أقوى قبل أن يأتي المړض.
الدكتور كريم قال
كمّل.
المړض لا يبدأ دائمًا داخل الحيوان. أحيانًا يبدأ من البيئة المحيطة به من المياه، من التهوية، من الزحام، من الغذاء، ومن إهمال أبسط التفاصيل.
يوسف سكت.
الجملة كانت منطقية جدًا.
لكن بعدها ظهر شيء أكثر أهمية.
والنبات الموجود في أرضنا ليس علاجًا سحريًا. قوته تأتي من التربة والمياه وطريقة زراعته. إذا أفسدت واحدًا منها، فلن تحصل على نفس النتيجة.
يوسف رفع عينيه.
يعني لازم نحافظ على كل حاجة.
الدكتور هز رأسه.
بالضبط.
ثم قلب يوسف الصفحة.
وكانت المفاجأة.
جده كان قد كتب أسماء مزارع قديمة، وتواريخ إصاباتها.
وفي آخر القائمة اسم واحد
مزرعة الحاج صابر الجندي.
يوسف اتجمد.
الحاج صابر كان موجود وقتها؟
الدكتور أخذ الكراسة منه.
قرأ الاسم.
ثم قال
واضح إن عيلته كانت بتربي مواشي هنا من زمان.
يوسف قلب الصفحة التالية.
لكن بدل ما يلاقي شرحًا، وجد رسمًا بسيطًا للأرض.
خط أزرق.
نقطة حمراء.
وسهم يشير إلى مكان البئر.
ثم جملة
من يسيطر على الماء، يستطيع أن يسيطر على الأرض.
يوسف حس بقشعريرة.
فجأة فهم ليه الرجل الغريب كان عايز الجزء اللي فيه البئر.
لكن قبل ما يقول حاجة
سمعوا صوت عربية تقترب.
كانت عربية الحاج صابر.
نزل منها وهو غاضب.
يوسف!
يوسف وقف.
نعم؟
الحاج صابر بص للدكتور كريم، ثم للكراسة اللي في إيد يوسف.
وشه تغير.
لقيتها؟
السؤال وقع على يوسف كالصاعقة.
إنت عارف الكراسة؟
الحاج صابر سكت.
الدكتور كريم وقف بجانب يوسف.
رد عليه.
الحاج صابر بص للأرض.
وبعد لحظات قال
أبويا كان بيحكي لي عن جدك.
يوسف قال
عن إيه؟
عن الأرض.
وعن الوباء؟
الحاج صابر رفع عينه.
أيوه.
يوسف اقترب.
إنت كنت عارف كل ده وسكت؟
الحاج صابر رد
لأني ما كنتش متأكد.
طب ليه حاولت تشتري الأرض؟
الحاج صابر ما جاوبش.
وفي اللحظة دي، رن هاتفه.
بص للشاشة.
وتغير وجهه.
رد بسرعة.
ألو؟
سكت.
ثم قال
إيه؟
صوته ارتفع.
كلها؟
أنهى المكالمة.
يوسف سأله
في إيه؟
الحاج صابر قال بصوت منخفض
الوباء وصل عندي.
الدكتور كريم سأل
كام رأس؟
الحاج صابر بلع ريقه.
أكتر من 200.
ساد الصمت.
يوسف بص له.
لأول مرة شاف الخۏف الحقيقي في عيني الرجل اللي طول عمره كان شايف نفسه أقوى واحد في المنطقة.
الحاج صابر قرب منه.
أنا محتاج مساعدتك.
يوسف ما ردش.
الحاج صابر قال
مش عشان الفلوس.
أمال عشان إيه؟
عشان أنا خسړت ناس كتير في حياتي ومش مستعد أخسر كل اللي عندي بسبب مرض ممكن نوقفه.
يوسف بص للدكتور كريم.
الدكتور قال
لو هنساعده، لازم نعرف كل التفاصيل عن مزرعته.
الحاج صابر وافق فورًا.
لكن يوسف كان عنده سؤال واحد
مين الرجل اللي جه معاك؟
الحاج صابر سكت.
ثم قال
أنا ما جبتهوش.
أمال مين جابه؟
قبل ما يرد
سمعوا صوت سيارة أخرى.
لكن هذه المرة لم تتوقف عند بوابة المزرعة.
توقفت بعيدًا.
ونزل
متابعة القراءة