ابويا وامي
دون الرجوع إليها أو منحها فرصة للاعتراض.
القاعة كلها تجمدت.
أحد المستثمرين قال
يعني قرار فصلها خرج من نادين نفسها؟
سامح هز رأسه.
وده قبل اجتماع الإدارة الرسمي بيوم كامل.
أبويا بص لنادين بسرعة.
كانت أول مرة يبص لها بالشكل ده.
قال بصوت منخفض
إنتِ عملتي إيه؟
نادين بلعت ريقها.
ولأول مرة من بداية الليلة...
ما لقتش أي إجابة تقولها.
لكن قبل أن يتكلم أي شخص آخر، دوّى صوت سيارة توقفت أمام القاعة، ثم تبعها دخول موظف الاستقبال مسرعًا وهو يقترب من سامح ويهمس في أذنه.
رفع سامح رأسه، ونظر إلى أدهم قائلًا
الشخص اللي كنا مستنيينه وصل.
ابتسم أدهم ابتسامة هادئة، ثم قال
إذن... دلوقتي نقدر نبدأ الجزء اللي هيحسم كل حاجة أدهم اتجه بنظره إلى باب القاعة.
دخل رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض وملامحه وقورة.
أول ما شافه عدد من المستثمرين، وقفوا احترامًا.
صافحهم بهدوء، ثم قال
أنا المراجع الخارجي السابق للشركة... واعتزلت من سنتين. لكن قبل اعتزالي احتفظت بنسخة من كل المستندات اللي تخص مشروع سلمى، لأن ضميري ما سمحليش أشوف مجهودها يضيع.
ناول سامح ملفًا أخيرًا.
فتحه أمام الجميع.
كان بداخله العقود الأصلية، وتقارير الاعتماد، وخطابات الشكر من العملاء، وكلها باسم سلمى المنشاوي قبل أن يتم تعديلها داخل الشركة.
لم يعد هناك مجال للإنكار.
ساد الصمت.
ثم وقف أكبر المستثمرين وقال بحزم
إحنا بنعلن من اللحظة دي تجميد أي مفاوضات أو استثمارات جديدة مع شركة المنشاوي، لحين إعادة هيكلة الإدارة ورد الحقوق لأصحابها.
الكلمات وقعت على أبوها كالصاعقة.
في دقائق، بدأ المستثمرون ينسحبون واحدًا تلو الآخر.
كل واحد منهم كان قد جاء ليوقّع عقودًا بملايين الجنيهات، لكنهم غادروا دون توقيع ورقة واحدة.
رن هاتف الأب.
نظر إلى الشاشة.
رسالة بعد أخرى
تم إلغاء اجتماع التمويل.
تم تعليق التفاوض على القرض.
تم تأجيل التوسعات لحين انتهاء المراجعة.
جلس على أقرب كرسي، وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
أما نادين، فكانت تبكي لأول مرة، وهي تردد
أنا غلطت... كنت فاكرة إني بحافظ على مكانتي... ماكنتش متخيلة إن كل ده هيحصل.
اقتربت الأم من سلمى، والدموع في عينيها.
وقالت بصوت مكسور
سامحينا... ظلمناك سنين.
ثم تقدم الأب ببطء، ولم يعد فيه شيء من غروره.
خفض رأسه لأول مرة أمام ابنته.
وقال
أنا صدقت القوة، وما شفتش الحق... سامحيني يا بنتي.
نظرت إليه سلمى طويلًا.
ثم قالت بهدوء
أنا سامحتكم من أجل راحتي... لكن استرجاع الحقوق له طريقه، والثقة اللي اتكسرت محتاجة وقت طويل علشان ترجع.
في تلك اللحظة، نظر أدهم إليها، ثم أمسك بذراعَي كرسيه المتحرك.
قال مبتسمًا
أظن جه الوقت.
حرر فرامل الكرسي.
ووضع قدميه على الأرض.
ثم وقف بثبات أمام الجميع.
انطلقت شهقات الدهشة في القاعة.
ابتسم وقال
الحاډث فعلًا أصابني، لكن بعد شهور طويلة من العلاج الطبيعي قدرت أمشي. فضلت أستخدم الكرسي لأني كنت عايز أعرف مين هيشوف الإنسان... ومين هيشوف الإعاقة.
ثم الټفت إلى والد سلمى.
حضرتك سخرت من شخص ظننته عاجزًا... بينما العجز الحقيقي كان في الحكم على الناس من ظاهرهم.
أمسك بيد سلمى أمام الجميع.
وقال
دي أقوى إنسانة عرفتها في حياتي... واليوم رجع لها حقها وكرامتها.
صفق الحضور بحرارة.
وبدلًا من أن يتذكر الناس هذا اليوم بسبب السخرية التي بدأت به، أصبحوا يتذكرونه لأنه اليوم الذي انتصرت فيه الحقيقة.
خرج الأب والأم ونادين من القاعة منكسي الرؤوس، بعدما خسروا ثقة المستثمرين واحترام الحاضرين.
أما سلمى وأدهم، فلم يحتفلا بالاڼتقام، بل احتفلا ببداية جديدة، مبنية على الاحترام والصدق، بعدما أثبتت الأيام أن الكرامة قد تتأخر... لكنها لا تضيع.