بنت الشغالة
دي علمتها درس أكبر من أي واحد كبير.
بعد يومين، فوجئت مريم برسالة من إدارة شركات الشناوي.
كانت فاكرة إنها اتفصلت.
لكن لما راحت، لقت أدهم بنفسه مستنيها.
قال لها
أنا عندي طلب.
قلقت.
خير يا فندم؟
أنا هفتح حضانة صغيرة جوه مقر الشركة.
استغربت.
حضانة؟
علشان أي موظفة أو موظف عنده طفل، ميضطرش يختار بين شغله وولاده.
دموع مريم نزلت.
وده كله بسبب فريدة.
ابتسم.
هي السبب اللي خلاني أفهم إن البيت أو الشغل من غير صوت طفل... بيبقوا ناقصين حاجة.
بعد شهور، افتتحت الحضانة.
وأول لوحة اتعلقت على بابها كانت مرسومة بإيد فريدة.
شمس صفراء كبيرة.
وتحتها مكتوب بخط طفل متعرج
الناس الزعلانة محتاجة ألوان.
الموظفون كانوا كل يوم يقفوا يقروا الجملة ويبتسموا.
أما أدهم، فبطل يمتحن الناس بالمحافظ والفلوس والكلام الكاذب.
وبدل ما يختبر الأمانة بالخۏف...
بدأ يبنيها بالثقة.
وكان أول قرار أخده، إنه يثبت مريم في شغلها ويزود مرتبها لأنها أثبتت إخلاصها بعملها، لا بالكلام.
وفريدة؟
كل ما تزور القصر، كانت تجري على المكتب قبل أي مكان، وتتأكد إن الرسمة لسه في مكانها.
ولو لقتها ميلة شوية...
تعدلها بنفسها، وتقول وهي تضحك
كده أحلى.
وكان أدهم يضحك معها، بعدما أدرك أن السعادة الحقيقية لا تُشترى بالمال، بل قد تأتي أحيانًا في يد طفلة صغيرة تحمل فرشاة ألوان وأرنبًا قديمًا اسمه بوجي. تمت كانت القصة انتهت نهاية طبيعية، لكن الحياة لسه كان عندها مفاجآت.
بعد حوالي ستة أشهر...
كانت فريدة بترسم في جنينة القصر، وأدهم بيسقي الورد بنفسه، حاجة عمر الخدم ما شافوها منه قبل كده.
وفجأة، جري أحد الحراس وهو ماسك ظرف أبيض.
يا فندم... الظرف ده اتحط على البوابة من غير ما حد يشوف مين سابه.
أدهم أخده وفتحه.
كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لسه فيه جزء من الحقيقة ما تعرفوش... دوروا في مخزن المستشفى القديم قبل ما يتم هدمه.
ماكانش فيه اسم.
ولا توقيع.
مريم بصت لأدهم.
هنعمل إيه؟
قال بعد تفكير
لو الرسالة مجرد مقلب... هنرجع. ولو فيها حقيقة... لازم نعرفها.
في اليوم التالي، راحوا مع الدكتور حسام إلى مبنى المستشفى القديم، اللي كان فاضي ومستني الإزالة.
فتح لهم عامل الأمن الباب.
المكان كان مليان تراب وصناديق قديمة.
فضلوا يدوروا أكتر من ساعة.
لحد ما فريدة شدّت كم أمها.
ماما... الصندوق ده عليه فراشة.
فعلاً.
كان فيه صندوق كرتون قديم، وعليه ملصق على شكل فراشة باهتة.
فتحه الدكتور.
لقوا بداخله دفاتر قديمة خاصة بقسم الأطفال، ورسائل شكر من الأهالي للممرضات، وصور لحفل افتتاح حضانة المستشفى.
ابتسم الدكتور وقال
دي ذكريات المستشفى... مش أسرار.
لكن بين الأوراق، خرج ظرف صغير.
كان مكتوب عليه
يُسلَّم للأستاذ أدهم الشناوي.
فتح أدهم الظرف بحذر.
وجد خطابًا من مديرة حضانة الأطفال، بتاريخ قديم.
جاء فيه
الأستاذ أدهم، أشكرك لأنك في ليلة الحاډث لم تغادر المستشفى حتى اطمأننت على كل الأطفال والأمهات، وساعدت في توفير كل ما احتاجه القسم. احتفظنا بصورة تذكارية لذلك اليوم تقديرًا لموقفك.
وكان مع الخطاب الصورة الأصلية الكاملة.
الصورة أظهرت كل الموجودين الأطباء، والممرضات، ومديرة الحضانة، وأدهم وهو يحمل فريدة لدقيقة واحدة لالتقاط الصورة التذكارية.
مريم ابتسمت وهي تنظر للصورة.
وقالت
دلوقتي بقى كل شيء مفهوم.
فريدة ضحكت وقالت
يعني أنا كنت مشهورة وأنا بيبي!
فضحك الجميع.
خرجوا من المستشفى، والشمس كانت بتغيب.
نظر أدهم إلى الصورة، ثم طواها بعناية.
وقال
بعض الأسرار لما بتتكشف... مش بتوجع، بالعكس... بتطمن القلب.
أمسكت فريدة يده ببراءة، وأمسكت مريم يد ابنتها، وساروا خارج المبنى، وقد أغلقوا آخر صفحة من الماضي، ليبدأ كل واحد منهم مستقبلًا أكثر هدوءًا وصدقًا. النهاية.