بعد 15 شهر من الطلاق
منه طويلاً.
في المساء، وبينما مريم جالسة وتحمل ياسين وهو نائم في حضنها، جلس سليم بجانبها ومسك إيدها وقال
عرفتِ ليه كنت واثق إنكِ هتتصلي بي يوماً ما؟ لإنني كنت عارف إنكِ مهما بعدتي ومهما حصل، فأنتِ الوحيدة اللي في قلبكِ حقيقي، وإن المصير هيرجعنا لبعض في النهاية. واليوم تحقق كل ما كنت أتمناه.. رجعتِ لي أنتِ ورجعت لي ياسين، واتضحت كل الحقائق، وكل من كان بيننا انتهى
مريم ابتسمت له بابتسامة صافية مليئة بالحب والامتنان وقالت
وأنا كنت عارفة إن ربنا مش هيسيبنا، وإن الحق لابد أن يظهر. كل اللي مررنا به كان درساً صعباً، لكنه كان ضروري عشان نعرف قيمة بعض، ونعرف إن الحب والثقة هما أقوى سلاح ضد أي مکيدة أو مؤامرة
الجزء الخامس
بعد أيام قليلة، تحسنت حالة ياسين تماماً وسمح لهم بالعودة للبيت. لكن هذه المرة العودة كانت مختلفة تماماً، عودة بعد غياب وفراق، عودة ومعهم أمل جديد ومستقبل باهر.
أعد سليم كل شيء لاستقبالهم، جهز الجناح الكبير اللي كان مخصص لهم، وزينه بأجمل الزهور والألوان اللي تحبها مريم، وجهز كل ما يحتاجه ياسين بكل دقة وعناية. وعندما وصلوا للبيت، استقبلهم كل العاملين بالتهنئة والفرح، وكل واحد كان بيعبر عن سعادته بعودة مدام مريم والأمير الصغير.
في الأيام التالية، بدأا يعوضان كل ما فات، تعرف سليم على ابنه خطوة بخطوة، وشاهد أول ضحكة له وأول حركة، وكل لحظة كانا يقضونها معاً كانت تملأ حياتهم بالفرح والدفء اللي كانوا محرومين منه. وبدأت مريم تكتشف جوانب جديدة من شخصية سليم، الرجل القوي الصلب مع الجميع، لكنه معها ومع ابنه كان أرق ما يكون، مليء بالحنان والصبر والحب.
أعاد سليم ترتيب أمور عمله، وتخلص من كل من كان غير أمين أو يحمل الضغينة، وأعاد بناء كل شيء على أسس سليمة ونزيهة. وقرر يشارك مريم في كل تفاصيل حياته، يخبرها بكل صغيرة وكبيرة، ولا يخفي عنها شيئاً أبداً، عشان ما يسمح لأي شك أو سوء تفاهم يدخل بينهم مرة أخرى.
أقاموا حفلاً صغيراً دعا له الأهل والأصدقاء المقربين، ليس حفل زفاف جديد، بل حفل عودة ولقاء، احتفالاً بعودة الحق وظهور الحقيقة، واحتفالاً بوجودهم معاً مرة أخرى. وفي الحفل، وقف سليم وأمسك بيد مريم وقال للحضور
اليوم أقف قدامكم وأنا أكثر الناس شكراً لله على كل ما مررت به. الحمد لله الذي أظهر الحقيقة، ورد لي أغلى ما أملك، وجمع شملنا بعد فراق طويل. أتمنى من الله أن يجعل حياتنا كلها خير وسعادة، وأن يحمينا ويحمي أهلنا من كل سوء ومكروه
وبعد ما انتهى الحفل، وبينما هم جالسون في الحديقة مع ياسين، قالت مريم لسليم
كنت دايماً أتساءل لو كنتِ تصلي بي قبل ما أهرب، أو لو كنتِ صبرتِ وسألتني وفهمتني، كان كل ده حصل؟ لكن دلوقتي عرفت إن كل شيء بيدبره ربنا بحكمة. لو ما حصل كل ده، ما كنا عرفنا مين هو الصديق ومين هو العدو، وما كنا عرفنا قيمة بعض وكم نحن بحاجة لبعض
سليم رد عليها وهو ينظر إليها بعيون مليئة بالحب
صحيح يا حبيبتي.. وما بني على حق ومحبة لا بد أن ينجو وينتصر مهما واجه من صعاب. وعد مني سأكون لكِ الزوج الصالح، وسأكون لأبني أفضل أب، وسأحميكم بكل ما أملك من قوة لآخر نفس في عمري
الجزء السادس والأخير
مرت الشهور وتحولت لسنوات، وعاش سليم ومريم حياة مليئة بالحب والتفاهم والسعادة. كبر ياسين
وظهرت فيه ملامح أبيه وأمه معاً، وكان يتمتع بذكاء وحنان، وكان محبوباً من الجميع. لم ينسوا أبداً ما مر بهم، بل جعلوا منه درساً لهم ولمن حولهم، وعلموا ياسين أن الحق مهما طال عليه الزمن فهو ظاهر، وأن الصدق والثقة هما أساس أي علاقة صحيحة.
استمر سليم في نجاحاته، لكنه أصبح أكثر رحمة وشفافية، وخصص جزءاً كبيراً من ثروته للأعمال الخيرية ومساعدة المحتاجين، تعويضاً عن كل ما تعرض له من ظلم وعشان يثبت إن القوة والمال الحقيقيين هم في مساعدة الناس وفعل الخير. وأصبحت مريم جنباً إلى جنب معه، تدعمه وتساعده، وأسست جمعية لرعاية الأمهات والأطفال المحتاجين، لتكون عوناً لمن يمرون بظروف مشابهة لما مرت بها.
وظلت قصة هروبها وعودتها، وقصة الحقيقة اللي ظهرت بعد خمستاشر شهر، حكاية تتوارثها الأجيال في عائلتهم، يتعلمون منها الصبر والثقة بالله، وإن لا شيء يضيع عند الله، وإن الڤرج يأتي في الوقت المناسب تماماً مهما بدا بعيداً.
في أحد الأيام، وبينما هم جالسون معاً في حديقة بيتهم الكبير، وياسين يلعب حولهم، سأل ياسين أبويه
بابا.. ماما.. ليه كنتوا بعيدين عن بعض زمان؟ وكيف رجعتوا لبعض؟
ابتسم سليم ومسك إيد ابنه وقال
كان في ناس حاولوا يفرقوا بينا يا بني، وعملوا أكاذيب ومكائد كتير، لكن الحب والحق كان أقوى من كل شيء. ومهما حاول الناس يخدعوا أو يظلموا أو يدفنوا الحقيقة، فالله سبحانه وتعالى سيظهرها في النهاية، وسينصر المظلوم وسيأخذ الحق من الظالم مهما طال الزمن. وعلينا دائماً أن نصبر ونثق بالله، ولا نسمح لأحد يزرع الشك بيننا وبين من نحبهم
بص ياسين لأبويه وابتسم وقال أحبكم جداً يا بابا يا ماما.. وأنا سعيد إنكم رجعتوا لبعض وعشنا معاً
ضمهم سليم ومريم إليهما بحنان، وشعرا بالسکينة والرضا يملآن قلبيهما. عرفا إن رحلتهم كانت مليئة بالآلام والصعاب، لكنها في النهاية وصلت بهم إلى ميناء الأمان والسعادة، وإن كل ما عانوه كان سبباً في زيادة قوتهم وتمسكهم ببعض.
وهكذا انتهت قصتهم، ليبقى درساً خالداً
أن الحب الصادق لا تميته المسافات ولا يفرقه الشك، وأن الحقيقة وإن طال عليها الزمن فهي كالشمس لا بد أن تشرق وتضيء كل ظلام، وأن الله سبحانه وتعالى بكل حكمة ورحمة يجمع القلوب التي أحبت في سبيله، ويجعل من كل محڼة مخرجاً ومن كل ضيق فرجاً.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات