قالت ابنتي
المحتويات
خطوة للخلف.
ثم قال آخر جملة قبل أن يستدير
الحقيقة ما بتموتش بس بتسيب ناس كتير مکسورة وهي رايحة.
وبينما كان يخرج من الغرفة مرة أخرى
لم يوقفه أحد.
لأننا هذه المرة فهمنا متأخرين جدًا
أن بعض الأشخاص لا يعودون ليُبرَّروا لنا
بل ليُروا لنا فقط ماذا فعلنا حين اخترنا ألا نسمع عندما خرج علي من الغرفة، لم يتحرك أحد خلفه.
حتى صوت الباب وهو يُغلق بدا وكأنه يضع نقطة نهائية في قصة لم نعد نتحكم فيها.
زهراء كانت ما زالت مستلقية، تنظر للسقف بصمت، وكأنها تستمع لشيء لا نراه نحن.
الطبيب كسر هذا الصمت أخيرًا حالتها مستقرة لكن ده مش نهاية الأزمة، ده بداية مرحلة طويلة جدًا من العلاج النفسي وإعادة التأهيل.
لم يكن في صوته انتصار، ولا راحة فقط إرهاق الحقيقة.
جلستُ على الكرسي بجانب السرير.
هذه المرة لم أمد يدي إليها فورًا.
كنت أخاف أن ألمسها فأتأكد أن كل ما حدث حقيقي.
زهراء التفتت نحوي فجأة وقالت بصوت ضعيف ماما هو ليه ما رجعش؟
عرفت من تقصد.
لم أجب بسرعة.
لأني لم أعد أملك إجابة سهلة.
في الخارج
كان علي يقف في نهاية الممر.
لا أحد اقترب منه.
ولا هو اقترب من أحد.
فقط كان ينظر من النافذة إلى الشارع كأنه يراقب حياة انتهت بالنسبة له داخل هذا المكان.
فجأة، اقترب منه محقق مدني.
قال إحنا محتاجين نفتح تحقيق رسمي كامل وهنحتاجك تبدأ تحكي من الأول.
علي لم ينظر إليه مباشرة.
قال بهدوء أنا حكيت كل حاجة بس محدش كان بيسمع وقتها.
داخل الغرفة
بدأت زهراء تتحسن قليلًا.
لكنها لم تعد تنظر لي بنفس الطريقة.
كان في عينيها سؤال جديد أخطر من الألم
إزاي ماما ما صدقتنيش وهي بتحبني؟
سقط السؤال داخلي كالسهم.
ولم أستطع الرد.
في اليوم التالي
وصل قرار المستشفى بتحويل الملف إلى لجنة تحقيق أخلاقية وقانونية، بسبب نشر الاتهام بدون تحقق، وما تبعه من أضرار نفسية واجتماعية جسيمة.
وتم استدعاء كل الأطراف.
لكن المفاجأة كانت في خطاب صغير وصل إلى قسم الطوارئ باسم زهراء.
لم يكن من محامٍ.
ولا من مستشفى.
بل من علي.
فتحته بيدي المرتجفة.
وكان مكتوبًا
أنا ما رجعتش علشان أثبت براءتي
أنا رجعت علشان مايبقاش في طفل تاني يدفع تمن سكوت الكبار.
وخدوا بالكم الحقيقة مش دايمًا بتشفي أحيانًا بتوجع أكتر من المړض.
انتهت الرسالة بدون توقيع كامل.
كأن علي قرر يترك الباب مفتوحًا
لكن ليس للعودة.
بل للمساءلة التي بدأت أخيرًا، متأخرة لكنها حقيقية.
زهراء أمسكت يدي لأول مرة منذ أيام.
وقالت بصوت خاڤت أنا مش عايزة حد يكره حد أنا بس عايزة أعيش من غير ما أفتكر كل ده.
وأنا نظرت إليها.
وفهمت أخيرًا أن القصة لم تكن عن من كان مخطئًا فقط
بل عن لحظة واحدة عندما اخترنا أن نصدق الخۏف بدل أن نبحث عن الحقيقة.
ومن يومها
لم يعد هناك نفس البيت الذي بدأنا منه القصة مرت أيام داخل المستشفى، لكنها لم تكن أيامًا عادية.
كانت أشبه بفراغ طويل كل ساعة فيه تحمل ندمًا جديدًا، لا يخفّ، بل يتغير شكله فقط.
زهراء بدأت تتحسن جسديًا، لكن عينيها بقيتا بعيدتين.
كلما جلستُ بجانبها، كانت تسأل نفس السؤال بصيغ مختلفة هو علي كويس؟ هو ليه ما بيردش؟ هو أنا لسه أختّه ولا خلاص؟
ولا مرة كنت أملك إجابة تطمئنها.
في اليوم الخامس، وصلنا خبر غير متوقع.
علي لم يعد في المدينة.
ترك شقته الجامعية، وقدم أوراق انسحاب من الجامعة مؤقتًا، واختفى عن أي تواصل.
لا هاتف لا عنوان واضح ولا حتى رسالة جديدة.
كأنه قرر أن يخرج من القصة كلها، لا فقط من بيتنا.
اڼهارت زهراء حين علمت.
هذه المرة لم تبكِ بصوت عالٍ، بل بصمت ثقيل، وجهها إلى الحائط.
همست أنا السبب حتى لو
ما كنتش أقصد.
جلستُ
متابعة القراءة