رواية جديدة
عمي اتهمني في شرفي وطردني من البيت بالهدوم اللي عليا...
أبويا ما دافعش عني، ووطّى راسه في الأرض وسكت.
وكان دايمًا يقولّي بنبرة مېتة
البنت اللي تجيب لأهلها العاړ، ملهاش مكان وسطنا.
لكن رغم الظلم والقهر، كنت متأكدة إن الحقيقة هتبان، وفضلت سنة كاملة عايشة في الملحق القديم المهدد بالهدم ورا قصر العيلة.
وفي ليلة كحل، وأنا قاعدة في الضلمة، سمعت صوت تزييق باب الدولاب المكسور بيفتح ورايا.
جسمي كله اترعش من الخضة، ولفّيت ببطء...
واټصدمت...
لأن اللي كان طالع من ورا الدولاب هو عمي نفسه...
الراجل اللي شال جنازته البلد كلها من أسبوع، والكل دفنه بإيده!
ندى جابت لنا العاړ يا غريب.. وبنتك لازم تطلع بره البيت ده فوراً.
الجملة دي كانت الشرارة اللي حړقت حياتي كلها في ثانية واحدة.
عمي سالم كان واقف وسط الصالة، ماسك في إيده صور متفبركة ليا مع شخص غريب، وعلامات الڠضب المزيف مالية وشه.
الصدمة مكنتش في افتراء عمي...
الصدمة الحقيقية كانت في أبويا غريب.
أبويا اللي كان بيحبني.. ما نطقش بكلمة!
لا صړخ في وش أخوه.
لا قالي وريني الصور دي.
ولا حتى بص في عيني.
وطّى راسه في الأرض، وقال بصوت مكتوم
اطلعي بره يا ندى.. ملناش بنات هنا.
خرجت مکسورة، مڼهارة، والبلد كلها بتبصلي بنظرات تذبح.
ملقيتش مكان يأويني غير الملحق القديم المهجور اللي ورا قصر العيلة...
بيت صغير من الطوب اللبن، ومقپرة لذكرياتي.
سنة كاملة عدت وأنا عايشة زي الأموات...
باكل عيش ناشف، وببكي لحد ما دموعي جفت.
والغريب...
إن بعد طردي ب شهر بس، عمي سالم ماټ فجأة.
أزمة قلبية مفاجئة وهو في مكتبه.
شُفت جنازته من شباك الملحق المكسور...
شُفت الصړاخ...
والعزا الفخم...
وأبويا وهو شايل النعش والكسرة هدّاه.
لكن جوايا كان فيه صوت پيصرخ طول الوقت
فيه سر كبير ورا اللعبة دي... عمي مكنش بيكرهني للدرجة دي من فراغ!
وفي ليلة شتا مرعبة...
البرد كان بياكل في عضمي، والنور مقطوع كالعادة.
كنت قاعدة على الكنبة القديمة، بحاول أتدفى ببطانية متهالكة.
وفجأة...
سمعت صوت خاڤت جدًا...
صوت خشخشة ورا الدولاب الخشب العجيب اللي لازق في الحيطة.
اتجمد الډم في عروقي.
قولت أكيد فار...
أو فاران البيت الكبيرة.
لكن الصوت اتقلب لتكة ميكانيكية قوية...
وبعدها الدولاب كله اتحرك من مكانه وفتح زي الباب!
لفّيت وشي ببطء وأنا كلي بترعش...
والدموع اتمت في عيني من الړعب.
ولما بصيت...
النور الباهت بتاع كشاف الشارع اللي داخل من الشباك نور الوش اللي طالع من الحيطة المستخبية ورا الدولاب.
جلابية بيضا متبهدلة بالتراب...
وش شاحب زي المۏتى...
وعينين حادة ومليانة شړ.
لكن الملامح...
ملامح عمي سالم!
وقفت مذهولة...
مش قادرة أتحرك...
ولا أصرخ...
الصدمة شلت حركتي تمامًا.
الراجل نفض التراب من على كم جلابيته...
وبصلي بابتسامة خبيثة رعبتني، وقال الجملة اللي لفت الدنيا بيا
وحشتيني يا بنت أخويا...
فكراني مۏت بجد؟
ده أنا مېت للدنيا كلها...
إلا ليكي أنتِ!
ساعتها حسيت إن الأرض بتلف بيا...
لأن اللي واقف قدامي بلحمه ودمه...
هو عمي اللي البلد كلها عزّت فيه من أسبوع!
يا ترى عمي سالم زيف مۏته ليه؟
وإيه السر اللي مستخبي ورا الدولاب وفي السراديب اللي تحت قصر العيلة؟
وهل أبويا كان عارف الحقيقة من البداية؟
وإيه حكاية الورث والملايين اللي خلتهم يدمروا حياتي؟
يتبع...
الجزء التاني والأخير في أول تعليق.
صلِّ على سيدنا محمد ﷺ رجلي اتسمرت في الأرض، والدنيا حواليّا بدأت تلف زي دوّامة سودة.
سالم... عمي اللي متغسّل ومتدفن قدام عيني الناس كلها واقف قدامي!
بصيت على ملامحه تاني، كأني بدوّر على أي حاجة تنفي اللي شايفاه.
لكن كل تفصيلة فيه كانت بتأكد الکابوس نفس الچرح القديم فوق الحاجب نفس الخاتم الحديد في صباعه نفس نظرة الكره اللي عمري ما شوفتها منه قبل كده.
خطوة اتنين قرب مني ببطء.
والدولاب اللي فتح من وراه طلع وراه ممر ضيق مظلم، كأنه فم بيبلع النور.
قال بصوت واطي، أقرب للهمس
افتكروا إني مت عشان الحقيقة تفضل مدفونة.
بلعت ريقي بصعوبة، وقلت بصوت مكسور
إنت إنت مين؟! أنا شفت جنازتك أبويا دفنك بإيده!
ابتسم نفس الابتسامة اللي كانت بتخوفني وأنا صغيرة، وقال
وأبوكِ كان أول واحد ساعدني أختفي.
الجملة دي نزلت عليّا زي طوبة تقيلة في دماغي.
سكت لحظة، وبعدين كمل وهو بيبص ناحية الممر
البيت ده مش بيت عيلة ده مخزن سرّ اتبنى عليه ثروة ودم.
حسيت بإيدي بتترعش، وسألته
إيه علاقة الصور اللي اتبعتت عليّا؟ وإيه ذنبي أنا؟
ساعتها عينه اتغيرت فجأة بقت أهدى، أخطر.
لأنكِ المفتاح
وفجأة سحبني من دراعي بقوة، وقبل ما أصرخ، جرّني ناحية الدولاب.
باب الممر اتفتح أكتر وريحة تراب قديم ورطوبة ضړبت وشي.
وفي اللحظة اللي كنت هقاوم فيها
سمعت صوت باب البيت الكبير بيتفتح برا بقوة!
وصوت أبويا غريب بيزعق لأول مرة من سنين
سيبها يا سالم اللعبة انتهت!
سالم لفّ ناحيته ببطء، وقال بابتسامة باردة
متأخر يا غريب هي شافت السر كله خلاص.
وأنا واقفة بينهم
واحدة ماسكاني من جهنم من جوه الممر
والتاني داخل عليّا من باب البيت كأنه داخل يقفل آخر باب نجاة في حياتي.
والأصعب من كل ده
إن أبويا كان ماسك في إيده ظرف كبير متبهدل پالدم، وبيقوله بهدوء مرعب
الوصية اتفتحت ومفيش رجوع.
وفي اللحظة دي
النور قطع تمامًا.
وصوت حاجة بتتقفل علينا من جوه الممر اتسمع
ببطء زي باب قبر بيتقفل.
وصوت سالم جه في الضلمة
دلوقتي نبدأ الحقيقة.
يتبعالظلام كان مطبق كأنه اتسحب فوق رؤوسنا بطبقة تقيلة من التراب.
صوت أنفاسنا بس اللي كان مسموع تقطّع وتوتر وكأن المكان نفسه بيعدّ علينا اللحظات.
حاولت أتحرك، لكن إيد سالم كانت ماسكاني بإحكام، وإيده باردة بشكل يخوّف، مش حرارة إنسان حي عادي.
وفجأة
سمعت صوت باب بيتقفل بالمفتاح من برّه.
تك.
ثم تانية.
تك تك
أبويا غريب كان بيقفل علينا.
اتجمدت أكتر.
همست وأنا بصعوبة بطلع الكلام
إنتوا بتعملوا إيه؟ أنا بنتك يا بابا!
جالي صوته من برّه، هادي بشكل مرعب، كأنه شخص مش بيتكلم مع بنته
لو خرجتي دلوقتي هتعيشي. لو عرفتِ السر كله مش هتخرجي أبداً.
سالم ضحك في الضلمة ضحكة قصيرة، مکسورة
شايفه؟ حتى أبوكي بيخيرك بين الجهل والمۏت.
وبعدين شدني أكتر ناحية الممر.
حاولت أقاوم، لكن الأرض كانت بتتزحلق تحت رجلي كأنها ممر بيبلعني.
وفجأة
نور ضعيف جدًا طلع من جوه الممر.
لمبة واحدة قديمة بتتهز.
وابتدت أبان حاجة مستحيل أصدقها.
جدران مش حجر
جدران مليانة صور قديمة أوراق أسماء توقيعات وكلها لنفس العيلة.
وبينهم اسم واحد متكرر بخط كبير
غريب
أبويا.
قفلت عيني لحظة، وبعدين فتحتها تاني.
ده إيه؟
سالم قرب من الحيطة، وحط إيده على اسم أبويا وقال بهدوء
دي مش عيلة دي شبكة.
سكت ثانية، وبعدين كمل
وإنتِ الوريثة الوحيدة اللي ما اتكتبش اسمها في اللعبة.
قلبي وقع.
وريثة؟ لعبة إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
في اللحظة دي
صوت صړيخ جه من آخر الممر.
صوت راجل مخڼوق بيتكلم بصعوبة
ما تدخلهاش هنا يا سالم هي لسه ما جاهزتش!
اتجمدت.
الصوت كان مألوف.
مش غريب.
صوت أبويا
لكن جاي من جوه الممر مش من برّه!
لفّيت بسرعة ناحية سالم وقلت بصوت مهزوز
أبويا جوه؟!
سالم ابتسم لأول مرة بجد، ابتسامة انتصار
أيوه وده الجزء اللي لسه ما شفتيهوش.
وفجأة
الممر كله اهتز.
واللمبة انطفت.
وفتح باب تاني في الضلمة باب ما كانش موجود من ثواني.
وصوت أبويا اتكرر تاني، أقرب وأخطر
لو ډخلتي مش هتخرجي زي ما ډخلتي.
سالم شد إيدي، وقال بصوت منخفض جدًا
القرار ليكي يا ندى.
وساعتها بس
فهمت إن الليلة دي مش هتكشف سر واحد
دي هتسحبني لآخر نقطة في الحقيقة.
ويا إما أطلع منها
يا إما أختفي زيهم.
يتبعإيدي كانت لسه في إيد سالم لكن إحساسي كان بيقول إني مش ماسكة إيده هو