رواية جديدة

موقع أيام نيوز


لا تُغتفر تزوّجنا صغيرين، واتفقنا على الانفصال، وسافرت، وكنتُ أظنّ أنّ أهلها أتمّوا الإجراءات. ولم أعرف الحقيقة إلا قبل أشهر! لقد خدعوني! قالوا لي إنّها طلّقت، واتضح لي أنّهم لم يفعلوا ذلك أبداً! وها هي تطالبني بحقوقها طوال السنين الماضية، وإلا ستُعلنّ أنّ زواجنا قائم، وستُفضح أمرنا أمام الجميع!
بقيتُ مُصغيةً إليه، لا أتحرّك ولا أتكلّم. فها هي الكذبةُ تُكملُ حلقاتها. لم يكن هناك ابنٌ مريضٌ يحتاج لعمليّة. لم يكن هناك ديونُ أخٍ. كلُّ ذلك كان ستاراً لطلبِ المال منّي لدفعِ مبالغَ لهذه الزوجةِ التي ما زالت زوجته الرسميّة، والتي تهدّده بفضحِ زواجنا غير القانونيّ أمام الملأ.
دهبي بيعتهُ ليدفعَ ثمنَ صمْتِ زوجةٍ أخرى، وثمنَ خداعٍ استمرّ سبعَ سنين كاملة.
نظرتُ إليهِ ولم أعدْ أرَ الرجُلَ الذي أحببتُه. رأيتُ سلسلةً من الكذباتِ المتشابكةِ بدأتْ من يومِ تعارفِنا ولم تنتهِ. قال لي بحنانٍ وندمٍ كنتُ خائفاً أن أخسركِ، فأكملتُ في الكذبةِ حتى صارتْ جزءاً منّي. أحبّكِ أنتِ وحدكِ. هي مجردُ ورقةٍ قديمةٍ أريدُ التخلّصَ منها لكي نعيشَ بسلامٍ. سأدفعُ لها ما تريدُ وتنتهي القصّةُ للأبد.
ولم أجِبْهُ بكلمةٍ. لم يبقَ لديّ ما أقوله. قمتُ، أخذتُ حقيبةً صغيرةً، ووضعتُ فيها ما يسعني من ملابسي وأشيائي التي لا تُعوّض. وقفَ يراقبُني بقلقٍ وخوفٍ، محاولاً منعي، محاولاً التوسّلِ إليّ بالبكاءِ والاعتذارِ والوعودِ المتجدّدة.
ولمْ ألتفتْ. فالدمعُ قد جفّ في عيني، والجرحُ قد تعمّقَ حتى لم يعدْ للكلامِ من مكانٍ. وقفتُ عندَ البابِ، ونظرتُ إليهِ نظرةً أخيرةً، وقلتُ بصوتٍ باردٍ لا حياةَ فيه
الدهبُ راح. والسبعُ سنينَ راحوا. والأهمُّ من كلِّ ذلك أنتَ خسرتَ من كانَ يُقامُ الكونُ لقيمتِهِ عندكَ، فما وجدتْ عندكَ إلا الخيانةَ والكذب. سأبقى على قيدِ الحياةِ لأرى كيفَ ستُكملُ حياتَكَ بكلِّ تلكَ الأكاذيبِ التي حملتَها على ظهرك. وأمّا أنا فسأبدأُ حياتي من جديدٍ، بلا ذهبٍ، ولكنْ بلا خيانةٍ ولا كذبٍ.
خرجتُ وأغلقتُ البابَ ورائي. لم أنظرْ خلفِي. فالطريقُ إلى الأمامِ كانَ وحيداً صعباً، لكنّه أكرمُ وأبقى من طريقٍ مُعبّدٍ بالأكاذيبِ والخداعِ. وكنتُ واثقةً أنّني سأجدُ يوماً ما مكاناً آمناً، حيثُ لا أحتاجُ لبيعِ ذهبي ولا لدفعِ ثمنِ صدقي، وحيثُ يكونُ الحبُّ فيهِ صدقاً لا يُشوبُهُ غشٌ ولا خوفٌ ولا خداعٌ أبداً.
وبعدَ مرورِ عامٍ كاملٍ
وقفتُ في شرفتي أُشاهدُ الشمسَ تشرقُ من جديدٍ. لم أعدْ أملكُ شيئاً من ذهبِ أمّي، لكنّي استرددتُ نفسي. استرددتُ صدقي وصفائي وثقتي بنفسي. وعلمتُ أنَّ أغلى ما تملكُ المرأةُ ليسَ ذهباً ولا مجوهراتٍ، بل أنْ تُحِبَّ وتُحَبَّ بصدقٍ، وأنْ تَعيشَ بلا خوفٍ ولا خداعٍ.
وقد يأتي يومٌ يسمعُ فيه أحمدُ كلماتي الأخيرةِ بعمقٍ، فيفهمُ أنَّ الذي خسرهُ لمْ يكنْ يُعوَّضُ بمالٍ ولا بعربيةٍ ولا بكلِّ ما في الدنيا. وأمّا أنا فما ندمتُ يوماً على ما بذلتُهُ، ولا على ما خسرتُهُ. فالصدقُ يبقى، والكذبُ ينهارُ مهما طالَ بهِ الزمانُ. وهذهِ هيَ الحقيقةُ التي دفعتُ ثمنَها غالياً، ولكنَّها كانتْ تستحقُّ أنْ أعرفَها.
تمّت القصّة

 

تم نسخ الرابط