نوايا مسمۏمة حكايات مني السيد حصري
المحتويات
بنت شبرا جاية من خير وعز برضه، مش من قلة.
ماشي يا حبيبتي، اللي تشوفيه! أنا هكلم أمي دلوقتي وأقولها، هيفرحوا أوي!
سيبته وطلعت السلم، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بتأكد لي إن النهاية بتاعتهم قربت. هما فاكرين إنهم جايين ياخدوا ورقة تخليهم ملايين، ومش عارفين إنهم جايين يوقعوا على صك نهايتهم وخروجهم من حياتي للابد.
يوم الخميس، نزلت السوق مع أمي. اشترينا أحسن خضار وأحسن لحمة. قضينا اليوم كله نطبخ ونجهز، بس المرة دي وأنا بضحك وبغني مع أمي. مكنتش تعبانة، لأن الأكل ده مكانش عشان أثبت لحد إني شاطرة، الأكل ده كان العشا الأخير لعيلة محمد في حياتي.
يوم الجمعة جه، والساعة دقت خمسة بعد الظهر. الباب خبط، فتحت ولقيت محمد واقف، ووراه حماتي لابسة ومشيّكة على الآخر، وندى جاية وراهم بتبص لمدخل البيت القديم بقرف ومش عاجبها العجب.
أهلاً وسهلاً، اتفضلوا، البيت نور قولتها وأنا ببتسم بكل ترحيب.
حماتي دخلت، وبدأت تبص على الصالة المتواضعة، والكنب القطيفة القديم، وقالت بصوت واطي
هو ده البيت بقا يا فاطمة؟ ما شاء الله.. صحيح قديم بس يعني.. يمشي حاله.
اتفضلي يا طنط ارتاحي أمي خرجت من المطبخ ورحبت بيهم بمنتهى الذوق والأصل الشبراوي اللي يملى العين. قعدوا، ومحمد كان عمال يبصلي ويغمزلي بمعنى فين الورق؟.
قعدنا على السفرة، وحطيت الأكل. صواني بطاطس باللحمة ريحتها تقلب الشارع، ورق عنب مرصوص بالملي، محشي، ورز بالشعرية. الأكل اللي حماتي قال ت عليه تقيل وبتاع مطاعم شعبية كان
محطوط قدامهم دلوقتي وهم هيموتوا من الجوع بعد مشوار المواصلات.
كلو يا جماعة، سموا الله أمي قالتها بحنية.
ندى بدأت تاكل وبان على وشها إن الأكل عاجبها جداً بس مكابرة، وحماتي كلت وقالت
تسلم إيدك يا أم فاطمة، الأكل كويس.. بس يلا بقا يا فاطمة، فين الأستاذ المحامي اللي قولتي عليه؟ الوقت بيسرقنا وإحنا عايزين نخلص الأمور الرسمية دي عشان نرجع مصر الجديدة قبل الزحمة.
وقفت من على السفرة، ودخلت الأوضة. جبت لفة القماش، وخرجت ومعايا المحامي، أستاذ رأفت، اللي كان مستني في الأوضة التانية من غير ما يحسوا.
أول ما شافوا المحامي، محمد وقف وظبط قميصه، وحماتي عينيها لمعت.
قعد أستاذ رأفت على رأس السفرة، وطلع الأوراق، وبدأ يفتح لفة القماش ويطلع عقد البيت الأصلي.
ندى قربت برقبتها عشان تشوف، وحماتي قالت
اكتب يا متر، اكتب إن العقد ده هيبقى مناصفة بين فاطمة ومحمد جوزها، وله حق التصرف والبيع والشراء في النص بتاعه.
أستاذ رأفت بص لحماتي وبص لمحمد، وبعدين طلع ورقة تانية خالص من شنطته، وحطها قدام محمد وقال بنبرة صوت حاسمة وقوية
الكلام ده مظبوط يا مدام، بس قبل ما نكتب عقد الشراكة، في ورقة تانية لازم الأستاذ محمد يوقع عليها الأول، كإجراء قانوني روتيني عشان الشراكة دي تبقى قانونية بنسبة مية في المية.
محمد مسك القلم بلهفة وقال
ورقة إيه دي يا متر؟ أنا جاهز أمضي على طول عشان نخلص.
أستاذ رأفت سحب النظارة وبص لمحمد وقال بكل برود
دي ورقة إقرار وتعهد من سيادتك، بإنك استلمت من المدام فاطمة مبلغ ومقدره خمسة مليون جنيه، كقيمة شراكة في الأرباح المتوقعة من مشروع الأبراج والتطوير اللي هيحصل في أرض البيت ده، وإنك في حالة إخلالك بالشراكة أو حدوث طلاق، ملتزم برد المبلغ ده فوراً، أو السچن پتهمة خېانة الأمانة والڼصب.
اللقمة وقفت في زور حماتي، وشها ازرق وفضلت تكح. ندى برقت عينيها وقامت وقفت، ومحمد القلم وقع من إيده، وبصلي ووشه جايب ألوان الطيف كلها.
خمسة
مليون جنيه إيه؟ وأبراج إيه؟ وتطوير إيه يا متر؟! إنت بتقول إيه؟! محمد زعق وصوته اتهز.
وقفت أنا بكل ثقة، ساندت إيدي على السفرة، وبصيت في عين محمد مباشرة وقولتله
بقولك اللي إنت كنت عارفه من شهرين وجاي تتجوزني علشانه يا محمد. فاكرني مغفلة؟ فاكر بنت شبرا مش هتعرف إنك بايع نفسك وأهلك بايعين أصولهم عشان تعويض الأبراج الجديدة؟
حماتي وقفت وهي بترتعش، بس المرة دي من الړعب والفضائح
إنتِ.. إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟ إحنا ناس بتوع أصول ومصر الجديدة! إحنا مش بتوع ملايين وتعويضات!
لاء يا طنط، إنتوا بتوع ملايين، بس الملايين دي بعيدة عن شنبكم بصيت لمحمد ورميت الورقة في وشه إنت قدامك حل من التنين يا محمد. يا تمضي على الورقة دي وتثبت فعلاً إنك شريكي في الحلوة والمرة والبيت والفلوس، وساعتها التعويض يدخل جيبنا سوا.. يا إما تمضي على ورقة تانية خالص أنا مجهزاها في الشنطة دي.
طلعت ورقة تانية وحطيتها قدامه بقوة
ورقة طلاقي منك.. طلاق للضرر وبدون مؤخر ولا نفقة، لأني مش هتشرف أكون على ذمة راجل اتجوزني عشان طمعان في ورث أبويا، ووقف يتفرج على أمه وهي بتهين أمي اللي شقيت عليا!
الصالة اتملت بسكوت قاټل، ومحمد كان بيبص للورقتين، وعرق الخۏف نازل على وشه.. وأنا واقفة مستنية أشوف هيختار إيه، والنهاية اللي رسمتها ليهم بدأت تتنفذ بالملي.
الجزء الثالث
العرق كان بينزل من جبهة محمد زي المطر، وبصمات الصدمة كانت محفورة على وش حماتي وندى. الورقتين كانوا محطوطين قدامه على السفرة؛ ورقة الإقرار بالخمسة مليون جنيه اللي تعلقه في المشنقة لو فكر يلعب بديله، وورقة الطلاق اللي تنهي اللعبة وتخرجه من المولد بلا حُمّص.
أستاذ رأفت كان قاعد حاطط رجل على رجل، ماسك سبحته وبيسبّح ببرود قاټل، كأنه بيتفرج على تمثيلية في التلفزيون ومستني يرى النهاية. وأمي كانت واقفة ورايا، سانداه بإيدها على كتفي، والنظرة اللي في عينيها كانت تقولي عاش يا بنت أبوكي، خدي حقنا تالت ومتلت.
حماتي بدأت تفوق من الصدمة، وزعقت بصوتها كله وهي بتخبط على السفرة
طلاق إيه وإقرار إيه؟! إنتِ اټجننتي يا بت سعاد؟! إحنا نيجي لحد هنا عشان تذلينا بالورق ده؟ محمد ابني سيد الرجال، وميتشرطش عليه من حتة بت لا راحت ولا جت! خد أمك وأختك يا محمد وامشي من هنا، البيت ده ريحته فقر وميجيبش غير الفقر!
محمد ما تحركش من مكانه. عينه كانت متثبتة على ورقة التعويض والشراكة. الطمع اللي جواه كان بيحارب كرامته المزعومة وبيتغلب عليها بضړبة قاضية. بص لأمه بنظرة مکسورة وقال بصوت واطي
بس يا ماما.. استني بس.
أستنى إيه يا خايب؟! ندى اللي زعقت المرة دي وهي بتبصلي بغل إنت مش شايف بتعمل فينا إيه؟ دي بتلوّي دراعك بالفلوس! إحنا أصلاً مكنّاش نعرف موضوع التعويض ده، دي بتتبلى علينا!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنّت في الصالة كلها وخلتهم كلهم يتسمروا في مكانهم
مبلاش النغمة دي يا ندى، عشان ملوقة أوي عليكي. مكنتوش تعرفوا؟ طب والأسئلة بتاعة يوم الثلاث اللي فات؟ مساحته كام بالظبط؟، مكتوب باسمك لوحدك ولا مامتك ليها فيه؟، وأصل العقد بتشيليه فين؟. هاه؟ كنتِ بتطمني على ممتلكاتي لله ولللوطن؟ ولا كرت الشحن بتاع المصلحة كان محتاج يتجدد؟
وش ندى جاب ألوان، وبصت في الأرض ومردتش.
التفتّ لمحمد وتنيت ضهري عليه شوية وقُلتله بنبرة فحيح الأفاعي
ها يا محمد؟ القلم في إيدك، والوقت بيعدي. تمضي على الشراكة والإقرار اللي يربطك بيا وبأمي طول العمر، ولا تمضي على ورقة الطلاق ونخلص
متابعة القراءة