رواية كامله
المحتويات
بترتعش.
بصيت فيها مرة...
واتنين...
وتلاتة.
يمكن عيني بتخدعني.
لكن لأ.
الاسم واضح.
المُبلغ محمود عبدالسلام.
أبويا.
حسيت رجلي مش شايلاني.
رجعت الورقة مكانها بسرعة أول ما سمعت باب الشقة بيتفتح.
قفلت الدولاب، وقعدت على الكنبة، وحاولت أتصرف طبيعي.
دخل أبويا وهو بيبصلي باستغراب.
قاعدة في الضلمة ليه؟
ابتسمت بالعافية.
صداع.
قرب مني يحط إيده على دماغي، لكن لأول مرة في حياتي... اتراجعت خطوة لورا.
هو لاحظ.
وعنيه ضاقت.
مالك يا ياسمين؟
مفيش.
فضل يبصلي كام ثانية، وبعدين دخل أوضته.
أما أنا...
فأول ما سمعت باب الأوضة اتقفل، أخدت شنطتي وخرجت من البيت.
ماكنتش قادرة أقعد دقيقة واحدة أكتر.
...
نزلت أمشي على الكورنيش.
الهوا كان بيخبط في وشي، لكن دماغي كانت مولعة.
لو أبويا هو اللي بلغ عن كريم...
ليه؟
وليه عمره ما قالي؟
وليه كريم قال اسألي أهلك؟
الأسئلة كانت بتاكلني.
وفجأة افتكرت حاجة.
كريم كان محتفظ بكل أوراقه المهمة في شقة صغيرة ورثها عن جدته.
الشقة دي بعد الطلاق محدش سأل عنها.
يمكن...
يمكن يكون لسه فيها حاجة.
...
تاني يوم الصبح، رحت العنوان.
العمارة كانت قديمة، والبواب أول ما شافني عرفني.
قال بابتسامة حزينة
مدام ياسمين...
إنتِ؟
استغربت.
فاكرني؟
أنسى مرات الأستاذ كريم؟ مستحيل.
سألته بسرعة
كريم باع الشقة؟
هز راسه.
لأ.
طب فين؟
محدش بيدخلها.
معاه مفتاح؟
طلع من جيبه سلسلة مفاتيح.
وقال
قبل ما يختفي، إداني نسخة.
قلبي دق.
وقالك لو حضرتك جيتي في يوم... أديهولك.
اتجمدت.
قال كده؟
بالحرف.
دموعي لمعت.
يعني...
كان متأكد إني هرجع أدور.
...
طلعت الشقة.
ريحة التراب مالية المكان.
كل حاجة متغطية بملايات بيضا.
كأن الزمن وقف هنا.
دخلت أوضة النوم.
لقيت صورتي لسه فوق الكومود.
الصورة اللي اتصورت في شهر العسل.
مد إيده فيها بالقلم على نفسه...
وساب صورتي زي ما هي.
قعدت أعيط.
الراجل اللي قال إنه بيحب واحدة غيري...
كان سايب صورتي في كل ركن.
لفيت في الشقة كلها.
لحد ما دخلت المكتب.
كان فيه درج مقفول.
بعد محاولات كتير بالمفاتيح...
اتفتح.
جواه ظرف بني كبير.
ومكتوب عليه بخط كريم
لو ياسمين وصلت للظرف ده... يبقى الحقيقة لازم تتقال.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه فلاشة...
وصورة...
وتقرير طبي.
الصورة خلت قلبي يقع.
كانت ليا...
وأنا نايمة على سرير مستشفى.
وعلى إيدي محلول.
افتكرت بسرعة.
دي كانت من خمس سنين...
اليوم اللي تعبت فيه فجأة، والدكتور قال إنها نزلة معوية شديدة.
لكن التقرير الطبي اللي مع الصورة...
ماكانش مكتوب فيه نزلة معوية.
كان مكتوب
اشتباه ټسمم بمادة سامة بجرعات متقطعة.
شهقت.
لأ...
أكيد غلط.
كملت قراية.
وكان فيه سطر متعلم عليه بالقلم الأحمر
المړيضة أكدت أنها لا تتناول أي أدوية سوى الطعام المُعد داخل منزل الأسرة.
حسيت الأوضة بتلف بيا.
يعني...
حد كان بيسممني؟
مين؟
وليه؟
وفي اللحظة دي بالظبط...
سمعت صوت المفتاح بيلف في باب الشقة من بره.
اتجمدت مكاني.
حد دخل.
وصوت خطواته كان بيقرب ناحية المكتب...
وبعدين سمعت صوت راجل بيقول بهمس غاضب
كنت عارف إنها في يوم هتيجي تدور... دوروا في كل حتة، الفلاشة دي ما ينفعش تقع في إيدها.
عرفت الصوت...
رغم إني سمعته آلاف المرات قبل كده.
كان...
صوت أبويا.
اتسمرت مكاني.
الفلاشة في إيدي...
والتقرير الطبي واقع على الأرض.
خطواتهم كانت بتقرب.
وأبويا قال بصوت واطي
فتشوا المكتب الأول... كريم كان ذكي، ولو مخبي حاجة هتكون هنا.
كان معاه راجلين.
صوت واحد منهم قال
ولو لقيناها؟
رد أبويا من غير تردد
هاتوهالي... والبنت دي مش لازم تعرف أي حاجة.
حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي أصرخ.
عمري كله كنت فاكرة إن أبويا أحن راجل في الدنيا.
دلوقتي بقيت مستخبية منه.
بصيت حواليّا بسرعة.
المكتب كان فيه مكتبة كبيرة، ووراها فراغ صغير.
دخلت فيه بالعافية، وسحبت الملاية القديمة عليا.
بعد ثواني...
باب المكتب اتفتح.
سمعت صوت الأدراج وهي بتتفتح وتتقفل پعنف.
واحد منهم قال
الظرف مش هنا.
أبويا رد بعصبية
مستحيل... أنا متأكد إنه كان مخبيه في المكتب.
راجل تاني قال
يمكن كريم رجع وخده.
سكت أبويا لحظة، وبعدين قال جملة خلت الډم يجمد في عروقي
كريم لو كان عايز يستخدم اللي معاه... كان عملها من زمان.
يعني هما عارفين إنه لسه عايش.
ومراقبينه.
فضلوا يفتشوا أكتر من ربع ساعة.
وفي الآخر خرجوا.
لكن قبل ما يقفل الباب، أبويا قال
من النهارده... حد يراقب
ياسمين أربع وعشرين ساعة. أول ما تتحرك ناحية كريم تبلغوني.
استنيت حوالي نص ساعة بعد ما مشيوا.
ولما اتأكدت إن المكان هادي، خرجت.
ركبي كانت بتخبط في بعض.
خدت الفلاشة والتقرير والصورة، وحطيتهم في شنطتي، ونزلت أجري.
...
ماقدرتش أروح بيتي.
عرفت إني لو رجعت، هكون تحت عينهم.
افتكرت صاحبتي الوحيدة دنيا.
اتصلت بيها.
أول ما سمعت صوتي قالت
مالك؟ بټعيطي ليه؟
قلت
ينفع أقعد عندك يومين؟
من غير ما تسأل، قالت
تعالي فورًا.
...
أول ما دخلت شقتها، حكيتلها كل حاجة.
كانت ساكتة، وعينيها مليانة ذهول.
قالت
يعني إنتِ شاكة في أبوكي؟
هزيت راسي وأنا بعيط.
مش قادرة أصدق... بس كل الأدلة بتوديني ليه.
قالت
طب نشوف الفلاشة.
طلعت اللاب توب.
وحطينا الفلاشة.
كان جواها ملفات كتير.
أول ملف كان فيديو.
ضغطنا تشغيل.
ظهر كريم.
لكن شكله كان مختلف.
وشه تعبان، ودقنه طويلة، وعينيه سهرانة.
بص للكاميرا وقال
لو ياسمين بتتفرج على الفيديو ده... يبقى للأسف أنا فشلت أخبي الحقيقة للأبد.
دموعي نزلت.
كريم كمل
أول حاجة... سامحيني.
أنا عمري ما حبيت غيرك.
ولما قلتلك إني بحب واحدة غيرك... كنت بكذب.
دنيا بصتلي، وأنا حسيت قلبي بيتقطع.
كريم كمل وهو بيحاول يبتسم
كنت عارف إنك هتكرهيني... وده كان المطلوب.
لأن لو فضلتي مراتي... كنتي ھتموتي.
وقف لحظة، وكأنه بيجمع شجاعته.
وقال
أبوكي كان بيدور على حاجة معينة... وأنا منعت إنه يوصلها.
اتجمدت.
ولما معرفش ياخدها... بدأ يهددني بيكي.
دنيا شهقت.
أما أنا...
كنت حاسة إني مش قادرة أتنفس.
كريم قال
في الأول افتكرت إنه بېهدد وخلاص... لكن بعدها بأيام لقيتك في المستشفى.
والدكتور قالي إن حالتك مش طبيعية.
ومن هنا بدأت أفهم.
فتح ملف قدامه، ورفعه للكاميرا.
وقال
التحاليل أثبتت إن حد كان بيديكي جرعات صغيرة من مادة سامة.
افتكرت التقرير اللي لقيته.
كل حاجة بقت بتركب.
كريم كمل
بلغت الشرطة... لكن القضية اتقفلت بسرعة.
ولما حاولت أكمل... اتلفقلي محضر السړقة، واترفدت من شغلي.
وبعدها خيروني بين حاجتين...
سكت.
وعينه دمعت.
إما أطلقك وأختفي من حياتك... يا إما يكمّلوا اللي بدأوه معاكي.
كنت پصرخ وأنا بعيط.
لأ...
لكن الفيديو كان مكمل.
اخترت أخسر نفسي... ولا أخسرك.
ثم مد إيده وقفل الملف اللي قدامه.
وقال آخر جملة
بس لو وصلتي للفيديو ده... يبقى معناها إنهم قربوا يعرفوا مكان الحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها.
دنيا قالت بسرعة
إيه الحاجة دي؟
في نفس اللحظة...
لقينا ملف تاني بعنوان
الدليل الأخير.
ضغطت عليه...
لكن قبل ما الملف يفتح، شاشة اللاب اتطفت مرة واحدة.
وفي نفس الثانية...
سمعنا صوت خبط عڼيف على باب الشقة.
وصوت راجل بيزعق
افتحي يا مدام دنيا... إحنا من الشرطة!
بصيت لدنيا.
هي بصتلي.
ولا واحدة فينا صدقت إن اللي واقف بره شرطة فعلًا...
خصوصًا لما رن موبايلي في نفس اللحظة، وظهر اسم كريم لأول مرة من سنين، ولما رديت عليه، قال بصوت متوتر
إوعي تفتحي الباب... دول مش شرطة.
جسمي كله اتجمد.
ضغطت على الموبايل بإيدي وأنا بهمس
كريم... إنت فين؟
رد بسرعة، وصوته مليان توتر
مفيش وقت. اسمعيني كويس... اخرجي من باب المطبخ، في سلم الخدمة ورا العمارة. متفتحيش الباب مهما حصل.
في نفس اللحظة...
الخبط على الباب زاد.
افتحي يا مدام دنيا... معانا أمر ضبط!
دنيا بصتلي وقالت پخوف
أنا ماعنديش باب تاني غير ده.
كريم سمعها من التليفون.
قال بسرعة
البلكونة... فيه سلم حديد بين العمارتين. انزلوا منه.
جريت أنا ودنيا على البلكونة.
بصينا لتحت.
الدور التالت.
السلم الحديد فعلاً موجود... لكنه قديم ومهزوز.
الخبط بقى أقوى.
وبعدين سمعنا صوت الباب وهو بيتكسر.
صړخت دنيا
دخلوا!
مسكت إيدها ونزلنا بسرعة على السلم.
كنت حاسة إن رجلي هتخونني في أي لحظة.
وأول ما وصلنا الأرض، جريّنا في الشارع.
بعد دقايق، عربية ميكروباص قديمة وقفت جنبنا.
الإزاز نزل.
وصوت كريم قال
اركبوا بسرعة.
ركبنا من غير تفكير.
أول ما العربية اتحركت، بصيت له.
كان لابس كاب ونضارة، ودقنه متشالة، لكن التعب لسه باين على وشه.
قلت وأنا بعيط
ليه مخبي كل ده؟
قال وهو مركز في السواقة
لأن الحقيقة أخطر مما تتخيلي.
بعد ما بعدنا شوية، وقف العربية في مكان هادي قريب من البحر.
لف ناحيتي
متابعة القراءة