رواية كامله

موقع أيام نيوز

أول ما شفت طليقي بينبش في صناديق الژبالة في واحد من أكتر شوارع إسكندرية زحمة، ما عرفتهوش من أول نظرة. وبعد عشرين دقيقة بس، بصلي في عيني وقال بصوت واطي إنه دمر حياته بإيده عشان ينقذ حياتي أنا. افتكرت في الأول إنه بيختلق حجة جديدة... لكن الړعب اللي كان مالي عينيه خلاني أشك في كل حاجة كنت مصدقاها عن أهلي.
أنا اسمي ياسمين... وده اليوم اللي حياتي كلها بدأت تتقلب فيه.
كان يوم حر ڼار في إسكندرية. الشمس مولعة، والأسفلت بيطلع منه سخونية، والعربيات واقفة في الزحمة والكلاكسات مالية الشارع. وأنا مستنية الإشارة تفتح بعربيتي، لمحت راجل بيدوس على علب كانز فاضية برجله، ويحطها في شيكارة سودة قديمة.
كنت هلف وشي...
لكن في اللحظة دي، لف ناحيتي.
قلبي وقف.
كريم؟!
الاسم خرج مني من غير ما أحس.
هو كمان اتجمد مكانه.
فضلنا نبص لبعض كام ثانية...
أيوه... هو.
طليقي.
نفس كريم اللي كان مدرس تاريخ في واحدة من أحسن المدارس الخاصة. الراجل اللي كان كل يوم أحد يكوي هدومه بنفسه، ويفضل بعد الحصص بالساعات يساعد الطلبة الضعاف من غير ما ياخد جنيه زيادة... بس لأنه كان قلبه طيب.
دلوقتي...
بقى شخص معرفوش.
هدومه متبهدلة، ودقنه طالعة بشكل عشوائي، والهالات السودة مالية وشه، وشكله أكبر بعشرين سنة من آخر مرة شفته.
أول ما عرفني، الخۏف ظهر على وشه.
مسك الشيكارة بسرعة، ولف يجري ناحية شارع جانبي ضيق.
صړخت كريم... استنى!
ركنت عربيتي بسرعة وجريت وراه.
لكنه فضل ماشي.
قلتله لو سمحت... بس كلمني.
وقف أخيرًا...
لكن من غير ما يلف.
قال بصوت مكسور
سيبيني يا ياسمين... متشوفيش شكلي كده.
عيني دمعت.
إيه اللي حصلك؟
هز كتفه وقال
الدنيا.
سألته
عايش فين؟
شد على الشيكارة بإيده وقال
في ملجأ للمشردين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
ملجأ...
ده الراجل اللي كان عنده بيت، وشغل محترم، وأحلام كنا بنبنيها سوا.
ودلوقتي...
بيجمع علب كانز عشان يعرف ياكل.
طلعت كام ألف جنيه من شنطتي ومديتهم له.
خدهم... بالله عليك.
رجع خطوة لورا وقال بحزم
لأ.
يا كريم...
مش عايز فلوسك.
أنا بس عايزة أساعدك.
رفع عينه وبصلي.
وقال بهدوء
دي مش كرامة يا ياسمين... دي آخر حاجة فاضلة لي.
الكلمة كسرتني.
بعد إلحاح طويل، وافق يقعد معايا في كافيه قريب.
ركب العربية وهو بيبص حواليه وقال بابتسامة مرة
العربية دي تمنها أكتر من كل اللي أملكه.
ما عرفتش أرد.
في الكافيه، طلب قهوة ورول قرفة بس.
كان بياكل بالراحة... وكأنه مش عارف إمتى هيشوف أكل تاني.
فضلت أبصله ومش قادرة أستوعب.
وفي الآخر سألت
قولي الحقيقة يا كريم... إيه اللي حصلك؟
سكت.
والناس رايحة جاية من ورا إزاز الكافيه، ولا حد حاسس بينا.
وفجأة...
وشه اتغير.
ماكانش إحراج.
ولا حزن.
كان... خوف.
خوف حقيقي.
بص ناحية الباب، وبعدين ناحية الشباك، كأنه حاسس إن حد بيراقبنا.
وبعدين قال
عملت اللي كان لازم أعمله.
استغربت.
يعني إيه؟
قام فجأة، والكرسي اتحرك بصوت عالي، وكل اللي في الكافيه بصوا علينا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كريم؟
بصلي بعين كلها ندم.
وقال
اسألي أهلك.
اتلخبطت.
تقصد إيه؟
قرب مني وقال بصوت يكاد يتسمع
أنا خسړت كل حاجة... بسببك.
حسيت الأرض بتميل بيا.
وقبل ما أتكلم، رجع خطوة لورا...
وقال الجملة اللي لحد النهارده مبتفارقش وداني
أنا ضحيت بكل حاجة... عشان أنقذك إنتِ.
ولف ومشى وسط الزحمة... واختفى.
وأنا فضلت قاعدة ببص على الكرسي الفاضي، ومش قادرة أبطل أفكر...
يا ترى إيه السر اللي أهلي مخبينه عني من سنين؟... وليه الراجل اللي حبيته ضحى بكل حياته عشان يحميني منه؟!
القصة كاملة طويلة ومينفعش تنزل في المنشور... 
فضلت قاعدة مكاني، إيدي بتترعش حوالين فنجان القهوة، وعيني على الباب اللي كريم خرج منه.
كل كلمة قالها كانت بتلف في دماغي.
اسألي أهلك.
أنا ضحيت بكل حاجة... عشان أنقذك.
أنا؟
ينقذني من إيه؟
ولو هو بيكدب... ليه كان مړعوپ بالشكل ده؟
طلعت أجري وراه، لكن الشارع كان مليان ناس، وكلهم شبه بعض. دورت في كل ناحية، سألت بتاع الجرائد، وسألت الراجل اللي واقف على العربية الكبدة، حتى سواق التاكسي اللي كان واقف قدام الكافيه.
محدش شافه.
كأنه اتبخر.
...
رجعت البيت وأنا دماغي ھتنفجر.
أول ما دخلت، لقيت أمي قاعدة قدام التلفزيون بتتفرج على مسلسل، وأبويا بيقلب في الجرنال.
ابتسموا أول ما شافوني.
لكن أول ما قلت اسم كريم...
الابتسامة اختفت.
قلت بهدوء
شفته النهارده.
أمي وقعت منها كباية الشاي.
وأبويا رفع عينه من الجرنال بسرعة.
قال بعصبية
شوفتي مين؟
كريم.
سكتوا.
ثواني طويلة...
لحد ما أبويا قال وهو بيحاول يمثل الهدوء
ولسه فاكرة الژبالة ده؟
استغربت طريقته.
زمان، حتى بعد الطلاق، عمره ما شتمه.
قلت
لقيته عايش في ملجأ.
أمي بصت بعيد.
أما أبويا فقال ببرود
يستاهل.
الكلمة ضايقتني.
يستاهل ليه؟
لأنه دمر نفسه.
هو قال حاجة غير كده.
أبويا قام مرة واحدة.
قالك إيه؟
قالي أسأل أهلي.
وش أبويا اصفر.
لأول مرة في حياتي...
أشوف أبويا بيتوتر بالشكل ده.
قال بسرعة
الراجل ده مختل... وإوعي تقابليه تاني.
قلت
ليه؟
عشان بقولك كده.
أنا مش طفلة.
بصلي پغضب عمره ما بصهولي قبل كده.
الموضوع انتهى.
وسابني ودخل أوضته.
...
في الليلة دي...
النوم هرب مني.
فتحت الدولاب، وطلعت كرتونة قديمة كنت مخبية فيها صور جوازنا.
أنا وكريم.
ضحكته.
البدلة الكحلي اللي كان بيحبها.
أول رحلة عملناها في مطروح.
كل حاجة كانت بتقول إننا كنا سعداء.
إزاي الجواز ده انتهى في ست شهور بس؟
افتكرت آخر يوم.
فاكرة إنه دخل البيت وشه متغير.
وقاللي
لازم تطلقي مني.
افتكرته بيهزر.
ضحكت.
لكنه رمى ورقة الطلاق قدامي.
وقالي بمنتهى البرود
أنا بحب واحدة غيرك.
الجملة دي هي اللي موتتني.
صړخت.
عيطت.
ترجيته حتى يقولي السبب الحقيقي.
لكنه فضل ساكت.
وبعد أسبوع...
اختفى.
وسمعت بعدها إنه باع البيت.
وساب المدرسة.
واختفى من حياة الكل.
وقتها كرهته.
وصدقت كلام أهلي.
قالولي إنه نصاب.
وإنه استغلني.
وإنه عمره ما حبني.
وأنا صدقت...
لحد النهارده.
...
تاني يوم، خدت أجازة من الشغل.
وروحت المدرسة الخاصة اللي كان بيشتغل فيها.
المدير أول ما عرف اسمي، اتنهد وقال
بعد السنين دي كلها... لسه بتدوري عليه؟
قلت
محتاجة أفهم.
سكت شوية...
وبعدين قال
كريم كان من أحسن المدرسين اللي اشتغلوا عندنا.
استغربت.
أمال ساب الشغل ليه؟
الراجل بص حواليه قبل ما يتكلم.
هو ما سابش.
أمال؟
اتفصل.
ليه؟
هز راسه.
بسبب اتهام بسړقة فلوس من خزنة المدرسة.
قلبي وقع.
كريم يسرق؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
ولا واحد فينا صدق.
أمال؟
بس الكاميرات كانت باينة إنه آخر واحد دخل الأوضة.
والفلوس؟
اختفت.
قلت بسرعة
واتثبت عليه؟
المدير سكت لحظة.
وبعدين قال
الغريب إن بعد أسبوع... الفلوس ظهرت.
شهقت.
يعني كان بريء؟
أيوه.
رجعوه الشغل؟
هز راسه بالنفي.
سمعته كانت راحت.
خرجت من المدرسة وأنا حاسة إن أول طوبة في الحكاية وقعت.
لو كان بريء...
ليه قبل التهمة؟
وليه ما دافعش عن نفسه؟
...
وأنا راجعة، افتكرت إن كريم كان ليه صاحب عمره اسمه حسام.
فضلت أدور عليه لحد ما وصلت لمكتبة صغيرة كان فاتحها.
أول ما شافني، اتفاجئ.
ياسمين؟
محتاجة أسألك سؤال.
رحب بيا وقعدنا.
أول ما جبت سيرة كريم...
وشه قلب.
قال
قابلتيه؟
أيوه.
سكت.
قلت
هو كان بيكدب عليا؟
بصلي بحزن.
لأ.
يبقى ليه قال إنه بيحب واحدة غيري؟
حسام غمض عينه.
وقال
لأنه كان بيحاول يخليكي تكرهيه.
اتجمدت.
يعني إيه؟
يعني الجملة دي... كانت أكبر كڈبة قالها في حياته.
دموعي نزلت.
ليه؟
حسام فضل ساكت.
ولما ضغطت عليه...
قال
عشان لو فضلتي معاه... كنتي ھتموتي.
حسيت الډم اتسحب من جسمي.
مين كان هيقتلني؟
ابتلع ريقه.
وقال
معرفش أقول.
لازم تقول.
وعدته.
وأنا مراته!
هنا حسام ضړب بإيده على المكتب وقال
كان بيحاول يحميكي حتى بعد ما طلقتيه.
قلت وأنا ببكي
من مين؟
رد بصوت واطي جدًا
من حد... قريب منك.
خرجت من عنده وأنا مش شايفة قدامي.
قريب مني؟
مين؟
أمي؟
أبويا؟
حد من قرايبي؟
كل الوجوه بقت تخوفني.
ولأول مرة في حياتي...
بدأت أبص لأهلي، مش بعين البنت اللي واثقة فيهم...
لكن بعين واحدة خاېفة تكون عاشت عمرها كله على كدبة كبيرة.
وفي نفس الليلة، وأنا بقلب في دولاب أبويا أدور على أي حاجة ممكن تفسر اللي بيحصل...
وقعت من بين الملفات ورقة صفراء قديمة.
كانت صورة من محضر شرطة.
وأول اسم وقع عليه بصري كان اسم كريم.
لكن اللي خلّى جسمي كله يتجمد...
إن خانة المُبلغ ما كانش مكتوب فيها اسم غريب...
كان مكتوب فيها اسم أبويا.
ياسمين فضلت ماسكة الورقة بإيد

تم نسخ الرابط