اختفي ابني

موقع أيام نيوز

صمت ثقيل.
قال مصطفى بصوت مبحوح
هذا يعني أنه كان يحاول يترك دليلًا...
هز عماد رأسه ببطء.
نعم... لكنه لم ينجح.
اقترب الشاب من الصندوق الأسود، ولاحظ شيئًا لم ننتبه إليه.
كان هناك تجويف صغير في جانبه.
قال
هذا ليس صندوقًا عاديًا... يحتاج إلى مفتاح ثانٍ.
قطب عماد حاجبيه.
مفتاح ثانٍ؟
أخرج الشاب المفتاح الذي كان حول عنقه منذ طفولته.
جربه.
لم يدخل.
ثم أخرج عماد مفتاحًا آخر من جيبه.
لم يدخل هو أيضًا.
شعرت بالإحباط.
لكن فجأة...
قال مصطفى بهدوء غريب
انتظروا...
ووضع يده داخل جيب سترته.
أخرج سلسلة فضية قديمة، كانت معلقة بها قطعة معدنية صغيرة تشبه نصف مفتاح.
نظرت إليه بدهشة.
من أين جاءت هذه؟
تردد للحظة، ثم قال
وجدتها في ملابس بلال... يوم اختفائه.
اتسعت عيناي.
ولماذا لم تخبرني طوال هذه السنوات؟!
لم يجب.
بل وضع القطعة المعدنية في التجويف.
ثم أمسك الشاب بمفتاحه.
ركّبه بجوارها.
طَق!
صدر صوت فتح القفل.
انشق الصندوق الأسود ببطء.
وفي داخله...
وجدنا ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة واحدة مكتوبة بخط واضح
يُفتح فقط إذا اجتمع الأربعة.
نظرنا إلى بعضنا.
أنا...
ومصطفى...
والشاب...
وعماد.
قال عماد بصوت خاڤت
إذًا... كنا جميعًا جزءًا من هذه القصة منذ البداية.
مددت يدي ببطء نحو الظرف.
كسرت ختم الشمع.
وسحبت أول ورقة.
لكن قبل أن أقرأ حرفًا واحدًا...
سقطت من داخل الظرف صورة قديمة على الأرض.
التقطها الشاب أولًا.
وبمجرد أن نظر إليها...
تراجع خطوة إلى الخلف وكأن صاعقة أصابته.
همس وهو يرتجف
لا... هذا مستحيل...
أخذت الصورة منه بسرعة.
وما رأيته فيها...
جعل الډم يتجمد في عروقي.
كانت صورة لبلال وهو في العاشرة...
يقف مبتسمًا بين رجلين.
أحدهما عماد...
أما الآخر...
فكان شخصًا ظنناه ميتًا منذ أكثر من عشرين عامًا شهقت بقوة.
حدقت في الصورة مرة... ثم مرتين... ثم ثالثة.
لم أصدق عيني.
كان الرجل الثاني هو...
سليم.
شقيق مصطفى الأكبر.
الرجل الذي شيعناه إلى قپره قبل أكثر من عشرين عامًا، بعد أن قيل إنه ټوفي في حاډث سيارة واحټرقت جثته بالكامل.
همس مصطفى وهو يتراجع للخلف
لا... هذا مستحيل... أخي ماټ.
لكن عماد لم يبدُ مصدومًا.
بل أغلق عينيه للحظة، وكأنه كان يخشى أن نصل إلى هذه اللحظة.
صړخت فيه
تكلم!
فتح عينيه ببطء وقال
سليم... لم يمت في ذلك الحاډث.
ساد الصمت.
حتى الشاب لم يعد قادرًا على الكلام.
تابع عماد بصوت مثقل
الحاډث كان مدبرًا... والچثة التي دُفنت لم تكن چثة سليم.
شعرت بأن كل ما عرفته في حياتي بدأ ينهار.
سألت وأنا ألهث
ولماذا يفعل كل هذا؟
أجاب
لأنه كان يهرب من أشخاص أخطر منه... وعندما اختفى، ظن أنهم سيتوقفون عن ملاحقته.
ثم أشار إلى الصورة.
لكنهم لم يتوقفوا.
قلبت الصورة بيدي المرتجفتين.
كان على ظهرها تاريخ...
وبجانبه عبارة مكتوبة بقلم أزرق
إذا رأيتم هذه الصورة، فلا تبحثوا عن سليم... بل ابحثوا عن المكان الذي التُقطت فيه.
نظر الشاب إلى الخلفية في الصورة.
ثم اقترب منها أكثر.
وفجأة قال
انتظروا...
وأشار إلى زاوية بعيدة في الصورة.
كانت هناك لافتة صغيرة نصفها مخفي خلف شجرة.
كبرناها باستخدام هاتفه.
ظهرت عليها كلمات باهتة.
لكن كلمة واحدة كانت مقروءة بوضوح
الواحة.
قال عماد فورًا
إذن... ما زالت موجودة.
سألته بسرعة
ما هي الواحة؟
تنهد طويلًا، ثم قال
ليست واحة... بل اسم مزرعة قديمة خارج المدينة.
وفي اللحظة نفسها...
اهتز هاتف الشاب بإشعار جديد.
فتح التطبيق.
كان حساب تيك توك الذي أغلق البث قبل أيام قد نشر مقطعًا جديدًا...
رغم أن الشاب كان واقفًا معنا والهاتف في يده.
فتح الفيديو ببطء.
ظهر رجل ملثم يقف أمام الكاميرا.
ثم رفع صورة قديمة لبلال.
وقال بصوت مشوش
إذا وصلتم إلى الصورة... فهذا يعني أنكم تأخرتم.
ثم أنزل الصورة...
لتظهر خلفه مزرعة قديمة، وعلى بوابتها الحديدية لافتة صدئة مكتوب عليها
الواحة.
وقبل أن ينتهي المقطع...
سمعنا صوتًا مألوفًا يأتي من خلف الكاميرا.
صوت رجل يقول
أخبرتهم بما يكفي يا سليم...
فتجمد عماد في مكانه، وهمس
إذن... هو حي فعلًا تبادلنا النظرات في صمت.
لم يعد أحد يشك أن سليم ما زال على قيد الحياة.
لكن السؤال الذي مزق رأسي كان
إذا كان حيًا... فلماذا لم يعد؟ ولماذا ظل مختبئًا كل هذه السنوات؟
أمسك عماد الهاتف من يد الشاب، وأعاد تشغيل الفيديو ببطء.
هذه المرة لم يكن ينظر إلى الرجل الملثم...
بل إلى الخلفية.
ثم قال فجأة
أوقف هنا.
أوقفنا المقطع عند ثانية واحدة فقط.
في زاوية الشاشة، خلف البوابة الحديدية، ظهرت سيارة بيضاء.
كانت صغيرة جدًا في الصورة.
لكن عماد ابتسم ابتسامة باهتة لأول مرة.
قال
عرفتها.
سألته بسرعة
ماذا عرفت؟
أجاب
ليست السيارة... لوحة السيارة.
نظرنا إليه باستغراب.
قال
كنت أعمل في المرور قبل أن أصبح أخصائيًا اجتماعيًا... وأحفظ أول أرقام المحافظات من النظرة.
كبر الشاب الصورة أكثر.
وبالفعل...
ظهر أول رقمين من اللوحة.
ابتلع عماد ريقه.
هذه ليست المزرعة التي نعرفها...
إنها مزرعة أخرى تحمل الاسم نفسه.
شعرت بأننا عدنا إلى نقطة الصفر.
لكن قبل أن نتحدث...
رن هاتف عماد.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقها فورًا.
بعد ثانية...
رن مرة أخرى.
ثم ثالثة.
قلت
من المتصل؟
تنهد ببطء، ثم قلب الهاتف نحونا.
كان الاسم ظاهرًا هذه المرة.
سليم.
ساد الصمت.
قال الشاب وهو يرتجف
رد عليه.
ضغط عماد زر الإجابة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
لم يتكلم أحد.
ثم جاء صوت رجل هادئ جدًا
أعرف أنكم فتحتم الصندوق.
لم يرد عماد.
تابع الرجل
وأعرف أن منى معكم.
تسارعت أنفاسي.
كيف يعرف كل هذا؟
قال الرجل
منى... إذا كنت تسمعينني، فأنا مدين لك باعتذار منذ خمسة عشر عامًا.
صړخت في الهاتف
أين ابني؟!
سكت الرجل لثوانٍ.
ثم قال جملة واحدة قلبت كل شيء
بلال ليس ابن الشخص الذي تعتقدين.
ساد صمت مرعب.
التفتُّ ببطء نحو مصطفى.
أما مصطفى...
فأغلق عينيه، وانهمرت دمعة لأول مرة منذ اختفاء بلال.
لكن قبل أن ينطق بحرف واحد...
انقطع الاتصال.
ولمعت على هاتف عماد رسالة جديدة تحتوي على إحداثيات موقع واحد فقط...
ومرفقًا معها عبارة قصيرة
إذا أردتم الحقيقة كاملة... تعالوا قبل غروب الشمس. بعد ذلك... لن تجدوا أحدًا نظرنا جميعًا إلى شاشة الهاتف.
كانت الإحداثيات واضحة.
لكن لم يكن معها اسم مكان... ولا أي تفسير.
قال الشاب بسرعة
سنذهب الآن.
لكن عماد أمسك بذراعه بقوة.
لا.
التفتنا إليه.
قال وهو يحدق في الإحداثيات
هذه ليست دعوة... إنها اختبار.
سألته بحدة
أي اختبار؟!
أجاب
سليم لا يرسل موقعًا حقيقيًا أبدًا. كان دائمًا يغيّر آخر رقم في الإحداثيات. من يذهب كما هي... يصل إلى مكان خاطئ.
أخذ الهاتف، وعدّل الرقم الأخير.
وفجأة ظهرت على الخريطة مزرعة قديمة وسط منطقة معزولة.
همس
هناك...
انطلقنا جميعًا في السيارة.
كنت طوال الطريق أقبض على صورة بلال بقوة حتى كادت تتمزق بين أصابعي.
كل دقيقة كانت تمر أشعر أنها سنة.
وبعد أكثر من ساعة...
وصلنا إلى بوابة حديدية صدئة.
كانت اللوحة المعلقة فوقها تحمل الاسم نفسه
الواحة.
لكن المكان بدا مهجورًا تمامًا.
لا أصوات.
لا سيارات.
لا أثر لأي إنسان.
قال مصطفى
هل تأخرنا؟
وقبل أن يجيبه أحد...
تحرك باب المزرعة ببطء من تلقاء نفسه، مصدِرًا صريرًا طويلًا.
دخلنا بحذر.
كان في منتصف الساحة بيت قديم.
وعلى بابه ورقة مثبتة بمسمار.
اقتربت منها.
كانت مكتوبة بخط اليد
منى... ادخلي وحدك.
صړخ مصطفى فورًا
مستحيل!
لكنني لم أستطع التراجع.
شعرت أنني إن لم أدخل الآن... فسأفقد بلال إلى الأبد.
دفعت الباب.
ودخلت.
كانت الغرفة مظلمة إلا من نافذة صغيرة.
وفي منتصفها...
كرسي خشبي.
يجلس عليه رجل يدير ظهره لي.
قال بصوت هادئ
تأخرتِ
كثيرًا يا منى.
عرفت الصوت فورًا.
كان صوت سليم.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
قلت بصوت مخټنق
أين بلال؟
وقف الرجل ببطء.
واستدار نحوي.
كان الشيب قد غزا شعره، لكن ملامحه هي نفسها الموجودة في الصورة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
قبل أن أسلمك بلال...
توقف للحظة.
وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
وأضاف
هناك شخص واحد في الخارج... إذا عرف أن بلال حي... سيقتله في اللحظة نفسها.
شعرت بأن قلبي كاد يتوقف.
سألته بصوت مرتجف
من هو؟
رفع سليم عينيه نحوي...
وأشار بإصبعه نحو باب الغرفة، حيث كان يقف أحد الأشخاص الذين جاؤوا معي...
لكنني لم ألتفت بعد لأرى من يقصد استدرت ببطء...
كانت المفاجأة صاډمة.
الشخص الذي كان يشير إليه سليم لم يكن مصطفى...
ولا عماد...
بل الشاب نفسه.
نظر الشاب إلى سليم بذهول وصاح
أنا؟! ماذا تقول؟!
اقترب سليم منه وقال بهدوء
لأنك لست مجرد شاهد على
تم نسخ الرابط