اختفي ابني
المحتويات
دي... متزعليش مني... أنا كنت رايح مع الراجل اللي قال إنه يعرف بابا...
توقفت الكلمات في حلقي.
شعرت بأن الأرض تميد بي.
التفتُّ إلى مصطفى ببطء.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين بالرسالة.
همس بصوت مبحوح
مستحيل...
رفعت الورقة أمامه.
بلال كتب اسمك... قال إنه راح مع رجل قال إنه يعرف أباه.
نظر الشاب بيننا في حيرة.
ثم قال
هذه الرسالة كانت داخل الصندوق منذ أول يوم أتذكره... لم أجرؤ يومًا على رميها، لكنني لم أفهم معناها.
اقتربت منه بسرعة.
من الذي أعطاك هذا الصندوق؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال
الرجل الذي رباني...
سأل مصطفى بلهفة
وأين هو الآن؟
أجاب الشاب وهو يشيح ببصره
ماټ منذ ثلاث سنوات...
ساد الصمت.
لكن الشاب أكمل فجأة
قبل مۏته بيومين، سلمني مفتاحًا نحاسيًا، وقال لي إذا ظهرت لك المرأة التي تراها في أحلامك... افتح المخزن.
عقدت حاجبي.
أي مخزن؟
أشار إلى باب خشبي صغير في نهاية الممر.
كان بابًا قديمًا، عليه قفل صدئ لم يُفتح منذ سنوات.
أخرج الشاب المفتاح من سلسلة كانت حول عنقه طوال الوقت.
ارتجفت يده وهو يضعه في القفل.
صدر صوت احتكاك معدني ثقيل...
ثم انفتح الباب ببطء.
وانبعثت منه رائحة رطوبة قديمة.
أضاء الشاب المصباح...
وفي اللحظة التي دخل فيها الضوء إلى الداخل...
شهقت أنا ومصطفى في وقت واحد.
لأن أول شيء رأيناه على الجدار...
كان عشرات الصور المعلقة لبلال...
من عمر عشر سنوات...
حتى عمر الخامسة عشرة...
وكأن أحدًا كان يراقبه ويصور كل لحظة من حياته...
رغم أننا كنا نظن أنه اختفى منذ اليوم الأول!شعرت بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
تقدمت نحو الصور ببطء، وأنا أمرر أصابعي المرتجفة فوق إحداها.
كانت مؤرخة.
الأولى بعد اختفاء بلال بثلاثة أيام.
الثانية بعد أسبوع.
ثم بعد شهر...
ثم بعد عام.
كل صورة تحمل تاريخًا ومكانًا مختلفًا.
لكن الشيء المرعب...
أن بلال كان يكبر في الصور، بينما ملامحه كانت مليئة بالخۏف، وكأنه ينظر دائمًا إلى الشخص الذي يلتقط الصورة مجبرًا.
همست وأنا أكاد أبكي
كان حيًا... طوال هذه السنوات كان حيًا...
رفع مصطفى إحدى الصور فجأة، ثم تصلبت ملامحه.
قال بصوت مرتعش
منى... انظري هنا.
اقتربت منه.
في زاوية الصورة، خلف بلال مباشرة...
ظهر جزء من ذراع رجل.
لم يظهر وجهه.
لكن ما ظهر كان كافيًا ليصيبنا بالذهول.
كانت في معصمه ساعة فضية قديمة.
ساعة أعرفها جيدًا.
بل أعرفها أكثر من أي شيء آخر.
نظرت
إلى مصطفى، فإذا به قد شحب وجهه تمامًا.
همست
هذه الساعة...
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال
كانت معي... قبل خمسة عشر عامًا.
لم أستوعب ما قاله.
ماذا تقصد؟!
أجاب بسرعة وكأنه يحاول الدفاع عن نفسه
بعتها قبل اختفاء بلال بأيام... أقسم لك.
لكن صوته لم يكن مطمئنًا.
كان يرتجف.
وفي تلك اللحظة...
قال الشاب بهدوء
هناك شيء آخر يجب أن تروه.
اتجه إلى خزانة صغيرة في آخر المخزن، وأخرج صندوقًا خشبيًا مغبرًا.
وضعه أمامنا.
ثم قال
الرجل الذي رباني منعني من فتحه طوال حياته.
فتح الغطاء ببطء...
فوجدنا عشرات الأشرطة القديمة، وصندوقًا صغيرًا مليئًا بصور فوتوغرافية، وفي الأسفل...
كاميرا فيديو قديمة.
أدارها الشاب بدهشة.
والمفاجأة...
أن بداخلها شريطًا لا يزال في مكانه.
نظر إلينا وقال
أظن أن هذا آخر ما صوره.
تبادلنا النظرات في صمت.
ثم بحث عن جهاز تشغيل قديم كان بجوار الصندوق.
وبعد دقائق من المحاولات...
اشتغلت الشاشة أخيرًا.
ظهرت صورة مهزوزة.
ثم سُمِع صوت طفل يضحك...
كان صوت بلال.
اغرورقت عيناي بالدموع.
لكن الضحكة توقفت فجأة...
وحل محلها صوت رجل يقول بوضوح
لا تخف يا بلال... والدك وافق على كل شيء.
في تلك اللحظة...
التفتُّ ببطء نحو مصطفى.
كان واقفًا كالصنم.
وجهه شاحب...
وجبينه يتصبب عرقًا...
وكأنه يعرف هذا الصوت أكثر منا جميعًا...حبس مصطفى أنفاسه.
أما أنا، فلم أعد أنظر إلى الشاشة...
كنت أنظر إليه.
همست بصوت مكسور
مصطفى... لماذا ارتبكت؟
لم يجب.
ظل محدقًا في الأرض.
أعاد الشاب تشغيل المقطع من البداية، ورفع الصوت قليلًا.
عاد صوت بلال يضحك...
ثم ظهر رجل يحمل الكاميرا، لكن وجهه كان خارج الإطار.
وقال مرة أخرى
لا تخف يا بلال... والدك وافق على كل شيء.
وفجأة...
جاء صوت آخر.
صوت امرأة تصرخ من بعيد
أسرع... أحدهم قادم!
انقطع التسجيل فجأة، وامتلأت الشاشة بالتشويش.
ساد الصمت.
ثم قال الشاب
هناك أشرطة أخرى.
أخذ شريطًا ثانيًا ووضعه في الجهاز.
هذه المرة بدأت اللقطات داخل منزل قديم.
بلال كان يجلس على الأرض ويرسم.
لم يكن يبكي.
كان هادئًا بشكل غريب.
اقترب منه الرجل الذي يصور، وسأله
ارسم البيت الذي تتذكره.
بدأ الطفل يرسم بسرعة.
كنت أتابع الورقة بعينين دامعتين.
رسم بابًا...
ثم نافذة...
ثم شجرة ليمون كبيرة أمام المنزل.
شهقت.
ذلك كان منزلنا القديم.
لكن بعد ثوانٍ...
رسم شيئًا إضافيًا.
بابًا صغيرًا في الحديقة الخلفية.
تجمدت.
التفتُّ إلى مصطفى.
نحن لم يكن لدينا باب هناك.
لكن مصطفى لم ينظر إلى الرسمة.
كان يحدق في الأرض، وكأنه يحاول إخفاء شيء.
قال الشاب باستغراب
الغريب أن الرجل الذي رباني كان كلما رأى هذه الرسمة يمزقها ويجعلني أرسمها من جديد.
ثم فتح درجًا صغيرًا في الخزانة.
أخرج منه عشرات الرسومات الممزقة، وكلها للمنزل نفسه...
وفي كل مرة كان بلال يرسم ذلك الباب السري نفسه.
همست
هذا ليس خيال طفل...
وفي اللحظة نفسها...
سقط من بين الأوراق ظرف قديم مغلق.
كان عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا عادت الأم.
نظرنا جميعًا إلى الظرف.
لم يجرؤ أحد على لمسه.
ثم مدّ الشاب يده نحوه ببطء، وهو يقول
الرجل الذي رباني أقسم عليّ ألا أفتحه إلا إذا جاءت المرأة التي تظهر في أحلامي...
ووضع الظرف بين يدي.
شعرت بأن قلبي يكاد يخرج من صدري.
كسرت الختم القديم ببطء...
وبمجرد أن أخرجت أول ورقة من داخله...
اتسعت عيناي في ذهول.
لأن أول سطر فيها كان يقول
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن مصطفى لم يعد يستطيع إخفاء الحقيقة...
وانقطع نفسي قبل أن أكمل السطر التالي...ارتعشت يداي حتى كادت الورقة تسقط من بين أصابعي.
رفعت عيني ببطء نحو مصطفى.
كان واقفًا مكانه، لكن ملامحه لم تعد كما عرفتها طوال خمسة عشر عامًا.
لم يقل كلمة.
لم يحاول أن يقترب.
فقط ظل ينظر إلى الرسالة وكأنه يعرف ما كُتب فيها قبل أن أقرأها.
ابتلعت ريقي، وأكملت القراءة بصوت مرتجف
إذا وصلت هذه الرسالة إلى الأم، فلا تصدقي أول ما يخطر في بالك. الحقيقة أعقد بكثير مما تتخيلين.
نظرت إلى الشاب، فوجدته يحدق في وجهي بقلق شديد، وكأنه يسمع هذه الكلمات للمرة الأولى.
تابعت القراءة
أنا لستُ الرجل الذي خطڤ بلال... لكنني كنت الرجل الذي أخفاه.
ساد صمت ثقيل.
شعرت بأن الغرفة أصبحت أضيق، وأن الهواء اختفى.
سأل الشاب بسرعة
من كتب الرسالة؟
قلبت الصفحة الأخيرة.
كان التوقيع مجرد حرف واحد...
س.
ليس اسمًا كاملًا.
ولا أي دليل آخر.
قال مصطفى فجأة
حرف السين...
ثم سكت فورًا، كأنه ندم على كلامه.
التفتُّ إليه بسرعة.
تعرفه؟
هز رأسه پعنف.
لا... فقط شعرت أنه مألوف.
لكن قبل أن أضغط عليه أكثر...
رن هاتف الشاب.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
قال بصوت خاڤت
هذا مستحيل...
سألته
من المتصل؟
أدار الهاتف نحونا.
كان الرقم مجهولًا.
لكنه أجاب.
وما إن فتح الخط، حتى جاء صوت رجل مسن، متعب، لكنه واضح
إذا كانت أم بلال عندك الآن... فأخرجوا من المنزل فورًا.
تجمدنا جميعًا.
أكمل الرجل
ولا تفتحوا القبو... مهما وجدتم مفتاحه.
نظر الشاب إلينا بذهول.
ثم همس
لكن... لا يوجد قبو في هذا المنزل.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم ضحك الرجل في الطرف الآخر ضحكة قصيرة، وقال
إذا كنت تظن أنه لا يوجد... فهذا يعني أنكم لم تجدوا الباب بعد.
وفجأة...
انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها تمامًا...
سمعنا صوتًا مكتومًا...
طرقات...
ثلاث طرقات بطيئة...
قادمة من أسفل أرضية المخزن.
وكأن أحدًا...
أو شيئًا...
كان يحاول الخروج نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
ثم تكرر الصوت.
طق... طق... طق...
لكن هذه المرة كان أوضح.
انحنى الشاب على الأرض، وأخذ يطرق بقبضته في المكان نفسه.
كان هناك فرق واضح في الصوت.
جزء من الأرضية كان مجوفًا.
قال بصوت مرتجف
أنا عشت هنا أكثر من عشرين سنة... ولم ألاحظ هذا أبدًا.
أمسك مصطفى بمصباح يدوي، وبدأ يمرره على ألواح الخشب القديمة.
وفجأة...
توقف.
كانت هناك حلقة حديدية
متابعة القراءة