اختفي ابني
المحتويات
صغيرة مخفية تحت سجادة بالية، مغطاة بطبقة سميكة من الغبار.
نظر إليّ، ثم أمسك بها.
قلت بسرعة
لا... الرجل في الهاتف قال لا تفتحوه.
لكن مصطفى لم يستمع.
شد الحلقة بكل قوته.
صدر صوت احتكاك ثقيل...
ثم ارتفع لوح خشبي كبير، ليكشف عن درج حجري ينزل إلى الأسفل.
خرجت منه رائحة رطوبة خانقة، وكأن المكان ظل مغلقًا لعقود.
أضاء الشاب المصباح، وبدأنا ننزل بحذر.
كل درجة كنا نخطوها كانت تزيد شعوري بأننا نقترب من الحقيقة... أو من کاړثة.
وصلنا إلى غرفة صغيرة تحت الأرض.
لم تكن فارغة.
كان فيها سرير حديدي قديم.
وطاولة.
وخزانة.
وكأن أحدًا كان يعيش هنا.
لكن أكثر ما شد انتباهي...
كان الجدار.
امتلأ بخطوط طولية وتواريخ محفورة بآلة حادة.
مثلما يفعل السجناء لحساب الأيام.
اقتربت أكثر.
قرأت أول تاريخ.
كان بعد أسبوع من اختفاء بلال.
ثم تواريخ أخرى...
استمرت سنوات.
همست والدموع تملأ عيني
يا رب... هل كان محتجزًا هنا؟
وقبل أن يجيب أحد...
فتح الشاب باب الخزانة ببطء.
كانت بداخلها ملابس أطفال قديمة.
وحذاء صغير.
وحقيبة مدرسية زرقاء.
أخرجتها وأنا أرتجف.
فتحت السحاب...
فوجدت كراسة رسم.
على الصفحة الأولى كُتب بخط طفل
اسمي بلال مصطفى.
لم أتمالك نفسي، وانهرت باكية.
لكن مصطفى لم يكن ينظر إلى الكراسة.
كان يحدق في شيء آخر داخل الخزانة.
مد يده ببطء، وأخرج ملفًا بنيًا مغلقًا.
وعندما فتحه...
سقطت منه صورة واحدة.
التقطها الشاب أولًا.
ثم تغير وجهه تمامًا.
ناولني الصورة دون أن يتكلم.
نظرت إليها...
فشعرت بأن قلبي توقف.
كانت صورة قديمة التُقطت يوم اختفاء بلال.
ظهر فيها بلال واقفًا...
وبجواره رجل يمسك بيده.
كان وجه الرجل واضحًا هذه المرة.
لكن الصدمة...
أن الرجل لم يكن غريبًا.
ولم يكن مصطفى.
بل شخصًا كنت أراه كل أسبوع، وأثق به أكثر من أي إنسان...
شخصًا لم يخطر ببالي يومًا أنه قد يكون جزءًا من هذا اللغز تجمدت عيناي على الصورة.
شعرت أن أنفاسي تتقطع.
همست بصوت لا يكاد يُسمع
لا... مستحيل.
اقترب مصطفى مني بسرعة.
من هو؟
لم أستطع الإجابة.
كنت أحدق في الوجه وكأنني أراه لأول مرة، رغم أنني عرفته سنوات طويلة.
كان...
عماد.
الأخصائي الاجتماعي الذي كان يزورنا باستمرار بعد اختفاء بلال.
الرجل الذي كان يواسيني كلما انهرت.
والذي كان يقول لي دائمًا
لا تفقدي الأمل يا أخت منى... سنجده.
بل إنه هو من كان يطبع صور بلال ويوزعها بنفسه في الشوارع.
سقطت الصورة من يدي.
قلت وأنا أرتجف
كان يدخل بيتنا... ويشرب معنا الشاي... ويبكي أمامي.
أمسك الشاب الصورة، وحدق فيها طويلًا.
ثم قال فجأة
أنا أعرف هذا الرجل.
التفتنا إليه في لحظة واحدة.
كيف تعرفه؟
أجاب وهو يزداد شحوبًا
لم يكن اسمه عماد عندي.
حبسنا أنفاسنا.
كان يناديني دائمًا يا بني... وكان الجميع يعرفه باسم الحاج سامي.
ساد الصمت.
شعرت بأن كل خيط أمسكنا به قبل قليل بدأ يتشابك.
قال الشاب
هو الرجل الذي كان يزورنا مرة كل شهر.
وكان كلما جاء، يأخذ مني رسومات معينة... ويحرقها في المدفأة.
سألته بسرعة
أي رسومات؟
أجاب
كل الرسومات التي كنت أرسم فيها وجوهًا... أو أرسم بيتًا... أو أرسم امرأة تشبهك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وفجأة...
رن جرس باب الشقة.
رنّة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
نظرنا جميعًا إلى الباب.
لم يكن أحد يتوقع أي زائر.
اقترب الشاب بحذر من العين السحرية.
نظر لثوانٍ...
ثم ابتعد فجأة، وقد اختفى اللون من وجهه.
همس بصوت مرتجف
إنه هو...
تسارعت نبضات قلبي.
من؟
قال وهو بالكاد ينطق
الرجل الموجود في الصورة...
ساد الصمت.
ثم جاء صوته من خلف الباب، هادئًا بشكل مخيف
أعرف أنكم في الداخل...
وتوقف لحظة.
ثم أكمل
وحان الوقت لتسمعوا الحقيقة... لكن افتحوا الباب أولًا تجمدنا جميعًا.
لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الباب.
عاد الصوت من الخارج، أكثر هدوءًا هذه المرة
يا منى... أعرف أنك في الداخل.
اتسعت عيناي.
لم أنطق باسمه، ولم يكن يعلم أننا سنأتي إلى هذا المنزل.
كيف عرف؟
نظر مصطفى إلى الشاب وهمس
لا تفتح.
لكن الرجل تابع
إذا لم تفتحوا خلال دقيقة... سأغادر، وستضيع الحقيقة إلى الأبد.
ساد صمت ثقيل.
ثم تقدم الشاب بخطوات بطيئة، ووضع يده على المقبض.
قلت بسرعة
انتظر...
لكنه كان قد فتح الباب بالفعل.
وقف الرجل أمامنا.
كان أكبر سنًا مما في الصورة، وشعره غزاه الشيب، لكن ملامحه لم تتغير.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال بصوت خاڤت
آسف... تأخرت خمسة عشر عامًا.
لم أتمالك نفسي.
اندفعت نحوه، وصڤعته بكل قوتي.
ارتد رأسه إلى الجانب، لكنه لم يرفع يده ليدافع عن نفسه.
صړخت وأنا أبكي
أين كان ابني؟! لماذا فعلت بنا هذا؟!
أغمض عينيه للحظة، ثم قال
بلال لم يكن الضحېة الوحيدة...
وقبل أن يكمل...
خرج صوت محرك سيارة يتوقف پعنف أمام العمارة.
تلاه صوت أبواب تُغلق بسرعة.
اقترب الرجل من النافذة، وألقى نظرة خاطفة إلى الشارع.
ثم تغير وجهه تمامًا.
قال بلهجة ملؤها الخۏف
لقد وجدوني.
اقترب مصطفى من النافذة هو الآخر.
كانت هناك سيارة سوداء
بلا لوحات تقف أمام المدخل.
وترجل منها ثلاثة رجال.
كانوا يتحركون بسرعة وكأنهم يعرفون المكان جيدًا.
استدار الرجل نحونا وقال
ليس لدينا وقت.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا، ووضعه في يد الشاب.
وأضاف
إذا حدث لي شيء... افتح الخزنة الموجودة خلف اللوحة الكبيرة في القبو.
سألته بلهفة
أي خزنة؟
قال
ستجدون فيها كل الأدلة... أسماء... صور... وتسجيلًا سيغير كل ما تعتقدونه عن يوم اختفاء بلال.
وفي تلك اللحظة...
دوّى صوت ارتطام قوي.
ټحطم باب العمارة في الأسفل.
ثم بدأت خطوات سريعة تصعد السلم...
درجة...
بعد درجة...
متجهة مباشرة نحو الشقة توقفت أنفاسنا.
كان صوت الأقدام يقترب بسرعة.
درجة...
ثم أخرى...
ثم أخرى...
حتى أصبحنا نسمع أصواتهم بوضوح خلف باب الشقة.
نظر الرجل إلى الشاب وقال بحزم
أغلق الأنوار.
في لحظة واحدة، غرق المكان في الظلام.
لم يعد يُسمع إلا صوت أنفاسنا.
ثم...
دق... دق... دق...
ثلاث طرقات هادئة على الباب.
على غير المتوقع، لم يحاول أحد كسره.
بل جاء صوت رجل من الخارج يقول
نعرف أن عماد عندكم... افتحوا، ولن يصيبكم أذى.
ارتجفت يداي.
همس عماد
لا تصدقوهم... إذا دخلوا، فلن يخرج أحد من هنا حيًا.
نظر الشاب حوله بسرعة، ثم قادنا إلى المطبخ.
أزاح الثلاجة قليلًا.
وظهرت خلفها فتحة ضيقة لم نكن لنلاحظها أبدًا.
قال
الرجل الذي رباني كان يمنعني من الاقتراب منها.
انحنى عماد، وفتح الفتحة بمفتاح صغير.
ظهر ممر ضيق داخل الجدار.
قال بصوت متوتر
ادخلوا... بسرعة.
دخلنا واحدًا تلو الآخر.
وما إن دخل آخرنا...
حتى سمعنا صوت ټحطم باب الشقة پعنف.
صړخ أحد الرجال
فتشوا كل غرفة!
حبست أنفاسي.
كنا خلف الجدار مباشرة.
كنت أسمع خطواتهم فوق رأسي.
وأصوات الأدراج وهي تُفتح.
والأثاث وهو يُقلب.
ثم...
توقف كل شيء فجأة.
قال أحدهم
وجدتها!
تسارعت دقات قلبي.
ظننت أنهم وجدونا.
لكن الرجل أكمل
وجدت الرسالة... لكنها مفتوحة.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال صوت آخر بحدة
إذًا وصلوا إلى الحقيقة الأولى... أسرعوا، لا بد أنهم ما زالوا داخل المنزل.
في تلك اللحظة...
ضغط عماد على حجر بارز داخل الممر.
فتح باب سري في نهايته.
خرجنا إلى غرفة صغيرة لم نرها من قبل.
كانت فارغة تقريبًا...
إلا من خزانة حديدية ضخمة مثبتة في الحائط.
أخرج الشاب المفتاح الذي أعطاه له عماد قبل دقائق.
أدخله في القفل.
دار المفتاح بصعوبة...
ثم انفتح الباب الحديدي ببطء.
وفي الداخل...
لم تكن هناك أموال...
ولا مجوهرات...
بل عشرات الملفات، وأجهزة تخزين، وصندوق أسود صغير.
رفع عماد الصندوق بيد مرتجفة، وقال
هذا هو السبب الحقيقي وراء اختفاء بلال.
وقبل أن يفتحه...
صدر من أحد الملفات المفتوحة تلقائيًا صوت تسجيل قديم.
ثم جاء صوت طفل واضح جدًا...
أنا اسمي بلال... وإذا حد سمع التسجيل ده، يبقى فيه حد كڈب عليكم طول السنين...
وانقطع التسجيل فجأة...
بعد أن سمعنا في الخلفية صوت شخص يفتح الباب، ثم صړخة بلال المدوية تجمدنا جميعًا.
لم ينبس أحد بكلمة.
كان صوت بلال... رغم مرور خمسة عشر عامًا... لا يزال يحمل البراءة نفسها.
مددت يدي نحو جهاز التسجيل، وأعدت المقطع من البداية.
خرج صوت بلال أوضح هذه المرة
أنا اسمي بلال... ولو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى فيه حد كڈب عليكم طول السنين... أنا مش تايه...
ثم انقطع صوته فجأة.
وسُمعت صړخة قوية.
تلتها جملة قالها رجل بحدة
اقفل التسجيل... بسرعة!
انتهى الشريط.
ساد
متابعة القراءة