رواية جديدة
المحتويات
رجعنا البيت.
علقت جلوريا الجائزة على الحائط.
وبعدين وقفت قدام صورة قديمة لنا.
الصورة اللي فيها السفرة المليانة أكل.
قالت
غريبة الدنيا.
قلت إزاي؟
قالت
أنا كنت فاكرة إن اليوم ده كسرني.
طلع هو اليوم اللي خلاني أرجع لنفسي.
ابتسمت.
وفي اللحظة دي رن جرس الباب.
فتحنا...
وكانت مفاجأة ما توقعناهاش.
كان فيه شخص واقف قدامنا، يحمل صندوقًا قديمًا.
وقال
جلوريا... فيه حاجة تخص والدك لازم تعرفيها.
نظرت له باستغراب.
لأنها كانت متأكدة إن كل أسرار الماضي انتهت.
لكن الصندوق اللي في إيده...
كان يخفي حقيقة جديدة عن حلمها القديم.
حقيقة ستجعلها تعيد النظر في كل ما حدث قبل 25 سنة كمل
جلوريا فضلت ماسكة الدعوة بإيديها، وكأنها خاېفة لو طرفت بعينيها تختفي.
قرأت السطر الأول مرة...
واتنين...
وثلاثة.
وبعدين بصتلي وقالت بصوت مرتعش
هانك... دي مش دعوة حضور.
أخدت الورقة منها.
كان مكتوب بوضوح
يسرنا دعوتكم للمشاركة بصفتكم شيفًا مستقلًا في مسابقة الطهاة العالمية، بعد ترشيح اسمكم من لجنة الطهاة المخضرمين.
رفعت عيني لها.
يعني اختاروكي.
قعدت على الكرسي وهي تضحك وټعيط في نفس الوقت.
قالت
بعد خمسة وعشرين سنة... حد أخيرًا شافني.
في اليوم اللي بعده، الخبر انتشر بسرعة.
الصحافة المحلية كتبت عن الجدة التي بدأت حلمها بعد الستين.
لكن جلوريا رفضت كل المقابلات.
وقالت
مش هتكلم دلوقتي.
لما أرجع... سواء كسبت أو خسړت.
كيفن كان أول واحد يعرض يسافر معاها.
قال
المرة دي دوري أقف وراك.
لكن جلوريا ابتسمت وقالت
لا.
استغرب.
ليه؟
قالت وهي بصالي
أنا عايزة الشخص اللي وقف معايا من أول يوم يسافر معايا.
عرفت إنها تقصدني.
بعد أسبوع، كنا في المطار.
وأنا ماسك إيدها، حسيت إنها بتترعش.
قلت
خاېفة؟
ضحكت.
شوية.
قلت
فاكرة لما كنتِ بتقولي إنكِ مجرد ست بتعرف تطبخ؟
هزت رأسها.
قلت
دلوقتي العالم كله جاي يدوق أكلك.
وصلنا لمكان المسابقة.
طهاة من دول مختلفة.
ملابس بيضا ناصعة.
كاميرات.
ولجنة تحكيم مشهورة.
جلوريا كانت أكبر متسابقة في القاعة.
ولاحظت بعض النظرات.
واحد من المتسابقين همس لزميله وهو بيضحك
واضح إنها جاية تتفرج... مش تنافس.
سمعتها.
وأنا كدت أرد.
لكنها لمست إيدي وقالت
سيبه.
ابتسمت.
الرد هيكون في الطبق.
بدأت الجولة الأولى.
كان المطلوب إعداد طبق يعبر عن ذكريات الطفولة.
الكل بدأ يستخدم مكونات غريبة وتقنيات حديثة.
أما جلوريا...
فوقفت لحظة.
أغمضت عينيها.
ثم بدأت تطبخ.
كانت تتحرك بهدوء.
وكأنها في مطبخ بيتها.
بعد ساعة، انتهى الوقت.
تقدم الحكام لتذوق الأطباق.
ولما وقفوا أمام طبق جلوريا...
سادت لحظة صمت.
نظر رئيس اللجنة إلى زملائه.
ثم أخذ لقمة ثانية.
وثالثة.
وبعدها قال جملة جعلت القاعة كلها تلتفت إليها
منذ عشرين عامًا لم يجعلني طبق أتذكر أمي... إلا هذا الطبق.
وفي نفس اللحظة...
ظهر على الشاشة ترتيب الجولة الأولى.
ورأيت اسم جلوريا...
لكنه لم يكن في المركز الثاني.
ولا الثالث.
كان في المركز الأول.
وفجأة...
بدأ الجمهور كله يصفق لها واقفًا، بينما الشخص الذي سخر منها قبل ساعة فقط ظل ينظر إلى الشاشة غير مصدق ما يراه...كمل
نظرت جلوريا للهاتف طويلًا.
كانت الرسالة قصيرة...
لكنها فتحت بابًا من الأسئلة لم يُغلق منذ 25 سنة.
قالت لي
هانك... مين ممكن يكون ده؟
أخذت الهاتف ونظرت للصورة.
كانت صورة قديمة من يوم المسابقة.
جلوريا شابة، واقفة أمام باب المطبخ، تحمل طبقًا بين يديها، وعيناها مليئتان بالحماس.
قلت لها
يمكن حد من الماضي عرف قصتك وعايز يساعد.
هزت رأسها.
أو يمكن حد عايز يفتح چرح قديم.
لكن هذه المرة لم تكن جلوريا هي نفس المرأة التي كانت تخاف من الماضي.
قالت بهدوء
أنا هقابله.
استغربت.
متأكدة؟
ابتسمت.
زمان كنت بهرب من الحاجات اللي توجعني.
دلوقتي بقيت أعرف إن المواجهة أريح.
حدد الشخص مكان اللقاء في مقهى قديم قريب من مكان المسابقة الأولى.
وصلنا هناك، وبعد دقائق دخل رجل في أواخر الستينات.
كان يحمل ملفًا بنيًا.
وقف أمام جلوريا وقال
أنتِ جلوريا؟
هزت رأسها.
آه.
جلس وقال
أنا سام.
نظرت له.
تعرفني؟
قال
أكتر مما تتخيلي.
فتح الملف ووضع أمامها أوراقًا.
قال
أنا كنت مساعد رئيس لجنة المسابقة زمان.
اتسعت عيناها.
يعني كنت هناك؟
هز رأسه.
كنت هناك يوم اختفى ملفك.
ساد الصمت.
اقتربت جلوريا من الأوراق.
إنت عارف مين أخفى الملف؟
نظر سام للأسفل.
آه.
انتظرت الإجابة.
ثم قال
لكن الموضوع كان أعقد مما تخيلتي.
عبست جلوريا.
إزاي؟
أخرج ورقة قديمة.
لأن ملفك لم يختفِ فقط...
كان فيه شخص حاول يرجعه.
نظرت له پصدمة.
مين؟
صمت سام لحظة.
ثم قال
والدك.
تجمدت جلوريا.
والدي؟
هز رأسه.
بعد ما عرف اللي حصل، حاول يصلح الأمر.
لكنه وصل متأخر.
كانت الكلمات ثقيلة.
لأن جلوريا قضت سنوات وهي تحمل غضبًا كبيرًا تجاه والدها.
قال سام
كان ناوي يعتذر لك.
وكان ناوي يطلب منك تكملي حلمك.
نظرت جلوريا للنافذة.
دموعها بدأت تنزل.
ليس لأنها سامحت الماضي بالكامل...
لكن لأنها لأول مرة رأت الصورة كاملة.
قالت
ليه كل الناس كانت بتقرر عني؟
لم يجد سام إجابة.
لأن السؤال لم يكن عن والدها فقط...
كان عن كل شخص في حياتها ظن أنه يعرف مصلحتها أكثر منها.
وضعت جلوريا الأوراق في حقيبتها.
وقفت.
وقالت
أنا مش هغير الماضي.
لكن هغير اللي جاي.
وفي طريق العودة، كانت هادئة.
لكن عندما وصلنا البيت...
وجدنا ظرفًا آخر أمام الباب.
هذه المرة لم يكن مجهولًا.
كان مكتوبًا عليه اسم جلوريا بخط واضح.
وعندما فتحته...
وجدت شيئًا جعلها تضع يدها على فمها من شدة المفاجأة.
كانت هناك...
دعوة للمشاركة في مسابقة الطبخ العالمية التي كانت تحلم بها منذ 25 سنة كمل
التصفيق ملأ القاعة.
جلوريا كانت واقفة مكانها، ماسكة المريلة بإيديها، وكأنها مش مستوعبة اللي حصل.
المذيع نادى باسمها مرة تانية
الشيف جلوريا... من فضلك اتفضلي للمنصة.
بصتلي بعينين مليانين دموع.
همست
أنا بحلم؟
ابتسمت وقلت
لأ... إنتِ أخيرًا عايشة الحلم.
طلعت على المنصة وسط تصفيق الحضور.
رئيس لجنة التحكيم صافحها وقال
اللي قدمتيه النهارده مش مجرد أكلة.
دي قصة.
ابتسمت جلوريا بخجل.
لكن الفرحة ما طولتش.
بعد أقل من ساعة، اللجنة أعلنت الجولة التانية.
والموضوع كان أصعب بكتير.
كل متسابق هيطبخ بوصفة من اختياره...
لكن باستخدام صندوق مقفول، محدش يعرف اللي جواه غير وقت البداية.
لما فتحوا الصناديق...
وش جلوريا اتغير.
كان فيها مكونات بحرية نادرة.
وهي عمرها ما كانت بتحب تطبخ المأكولات البحرية.
بصيت لها.
قلت
نعمل إيه؟
ابتسمت رغم القلق.
هنعمل اللي طول عمرنا بنعمله.
هنطبخ من القلب.
بدأ العد التنازلي.
المتسابقين كلهم اشتغلوا بسرعة.
لكن بعد عشر دقايق...
سمعنا صوت عالي.
واحدة من المتسابقات صړخت.
وبعدها بثواني...
واحد من المنظمين جري ناحية محطة جلوريا.
وقف قدامها وقال بجدية
لو سمحتي... ابعدي عن الطاولة.
استغربت.
فيه إيه؟
الراجل بص داخل صندوق المكونات.
وبعدين طلب حضور رئيس اللجنة فورًا.
القاعة كلها سكتت.
الحكام تجمعوا حول محطة جلوريا.
وأنا قلبي كان بيدق بقوة.
رئيس اللجنة فتح كيسًا صغيرًا كان بين المكونات.
وبمجرد ما شافه...
اتغير لون وشه.
رفع رأسه
وقال
أوقفوا المسابقة.
الكل اتجمد.
جلوريا بصتله باستغراب.
قال
فيه حد عبث بالمكونات.
الناس بدأت تهمس.
ورئيس اللجنة أكمل
وده كان ممكن يعرّض حياة أحد المتسابقين للخطړ.
اتسعت عيون جلوريا.
أما أنا...
فبصيت ناحية الصفوف الخلفية.
ولمحت نفس المتسابق اللي سخر منها في بداية اليوم...
واقفًا بعيدًا، وملامحه شاحبة، وكأنه خائڤ من شيء.
وفي اللحظة دي...
اتجه أحد أفراد الأمن نحوه مباشرة.
لكن قبل ما يوصلوا له...
لف بسرعة...
وجرى خارج القاعة النهاية
وقف الأمن عند باب القاعة بعد أن أمسكوا بالمتسابق الهارب.
وبعد مراجعة كاميرات المراقبة، ظهرت الحقيقة كاملة.
لم يكن يريد إيذاء جلوريا...
كان فقط يحاول إفساد مكوناتها حتى تخرج من المنافسة مبكرًا، لأنه كان يرى أن امرأة في عمرها لا تستحق أن تنافسه.
تم استبعاده من المسابقة نهائيًا.
أما جلوريا، فقد عُرض عليها إعادة الجولة بمكونات جديدة.
ابتسمت وقالت
أنا مش محتاجة ميزة... أنا محتاجة فرصة عادلة.
بدأت الطبخ من جديد.
ولأول مرة منذ سنوات، لم تكن تطبخ لتثبت لأحد أنها تستحق.
كانت تطبخ لأنها تحب ذلك.
بعد يومين من المنافسة، وصلوا لإعلان النتيجة النهائية.
وقف جميع المتسابقين على المسرح.
المذيع فتح الظرف ببطء وقال
الفائز بلقب أفضل شيف لهذا العام هو...
ساد الصمت.
...جلوريا هاربر.
اڼفجرت القاعة بالتصفيق.
كيفن بكى دون خجل.
تيفاني كانت أول من وقف يصفق.
أما أنا...
فلم أرَ الكأس.
كنت أنظر إلى جلوريا فقط.
نفس المرأة التي وجدتها قبل سنوات جالسة على أرض المطبخ الساعة الرابعة فجرًا، تقول وهي مرهقة
لسه العيش ما خلصش.
واليوم...
كانت تقف على أكبر مسرح للطهاة في العالم، والكأس بين يديها.
عندما أمسكت الميكروفون، توقع الجميع
متابعة القراءة