رواية جديدة
المحتويات
الست اللي كنتها زمان.
اللي كانت بتحلم ومحدش سمعها.
قلت لها
بس الست دي لسه موجودة.
هزت رأسها.
آه... بس كان نفسي حد يقول لها من بدري إنها تستاهل.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
لأننا أحيانًا نفتكر إن الاعتذار يصلح كل شيء.
لكن بعض الچروح محتاجة وقت.
ومحتاجة أفعال.
بعد أيام، جاء كيفن ومعه فكرة جديدة.
قال ماما، عايز أعمل حاجة.
نظرت له جلوريا.
إيه؟
قال عايز أعمل مؤسسة صغيرة باسمك.
استغربت.
مؤسسة؟
هز رأسه.
لتعليم الطبخ للبنات والستات اللي اضطروا يسيبوا أحلامهم عشان العيلة أو الظروف.
سكتت جلوريا.
ثم قالت ليه يا كيفن؟
رد
لأني عرفت متأخر إن فيه ناس كتير زيك.
ناس عندها موهبة... بس محدش شجعها.
لأول مرة، شفت جلوريا تبص لابنها بفخر.
مش لأنها عملت له حاجة.
لكن لأنه أخيرًا فهم.
بعد شهر، كان أول يوم في المؤسسة.
دخلت عشرات السيدات.
بعضهم كانوا خائفين.
بعضهم قالوا إنهم كبار على البداية.
لكن جلوريا وقفت قدامهم وقالت
أنا بدأت حلمي الحقيقي بعد سنين طويلة.
يعني مفيش حاجة اسمها الوقت فات.
فيه بس وقت قررنا فيه نبدأ.
وفي آخر اليوم، رجعت البيت.
وجدتها تضع المريلة القديمة بجانب المريلة الجديدة.
سألتها
ليه محتفظة بالاتنين؟
ابتسمت.
وقالت
دي فكراني باللي ضاع.
وأشارت للجديدة.
ودي فكراني باللي رجع.
جلست بجانبها.
وقلت
جلوريا... لو رجع بيك الزمن، كنتِ هتغيري حاجة؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت
آه.
استغربت.
إيه؟
ابتسمت وقالت
كنت هحب نفسي بدري.
وساعتها عرفت إن أكبر انتصار حققته جلوريا...
مش إنها بقت شيف مشهورة.
ولا إن مطعمها نجح.
ولا إن الناس عرفت اسمها.
أكبر انتصار...
إنها أخيرًا صدقت إنها كانت تستحق كل ده من البداية كمل
بعد حفلة كايلا، افتكرت إن
الحكاية انتهت...
لكن الحقيقة إن حياة جلوريا كانت لسه بتبدأ.
بعد أسبوعين، جالنا ظرف بالبريد.
كان عليه اسم جلوريا.
فتحت الظرف وهي مستغربة.
كان جواه دعوة رسمية من نفس مسابقة الطبخ اللي ضاعت منها من 25 سنة.
لكن المرة دي...
مش كمشاركة.
كانت دعوة خاصة لتكون عضوة في لجنة التحكيم.
بصت للورقة وقت طويل.
قالت غريب...
سألتها إيه الغريب؟
قالت زمان كنت بحلم إني أقف قدامهم عشان يحكموا عليا.
دلوقتي بيدعوني عشان أنا اللي أحكم.
ابتسمت.
شايفة؟ أحيانًا الدنيا بتأخر الحاجة... بس مش معناها إنها بتلغيها.
في يوم المسابقة، دخلت جلوريا القاعة.
الناس كانت تعرف اسمها.
لكنها ما دخلتش كأنها شخص مشهور.
دخلت كأنها واحدة رجعت تأخذ مكانها الطبيعي.
وفي آخر اليوم، قرب منها شاب صغير كان مشاركًا.
قال لها
أنا خاېف أفشل.
ابتسمت له وقالت
أنا ضيعت 25 سنة وأنا فاكرة إني فشلت.
استغرب.
قالت
وبعدين اكتشفت إن الفشل الحقيقي مش إنك تخسر.
الفشل الحقيقي إنك تصدق إنك مش تستحق المحاولة.
الكلمة دي انتشرت بين المشاركين.
وبعدها بوقت قصير، بدأت جلوريا تعمل شيئًا جديدًا.
بدل ما تكتفي بالمطعم...
بدأت تدرب ناس عندهم أحلام مؤجلة.
كانت تقول لهم دائمًا
ما تستنوش حد يديكم الإذن إنكم تبدأوا.
أما كيفن، فكان كل يوم يثبت إنه اتغير.
في يوم قال لي
بابا... أنا طول عمري كنت فاكر إن أمي قوية لأنها تستحمل.
لكن دلوقتي فهمت إنها قوية لأنها قامت بعد ما اتوجعت.
نظرت له وقلت
المهم إنك فهمت قبل فوات الأوان.
بعد شهور...
عملنا احتفال صغير في المطعم.
مش عيد ميلاد.
ولا افتتاح.
كان احتفال بمرور سنة على بداية حلم جلوريا.
رفعت الكوباية وقلت
لجلوريا.
الكل صفق.
لكن جلوريا رفعت إيدها وقالت
لا.
لجلوريا القديمة.
للسيدة اللي فضلت تحلم حتى وهي فاكرة إن الحلم ماټ.
نظرت لها.
وفهمت وقتها إن اللي حصل كله بدأ من ورقة طلبات على ترابيزة المطبخ...
ومن ليلة واحدة تعبت فيها امرأة كانت دائمًا تفكر في الجميع قبل نفسها.
لكن القرار اللي أخدته وقتها...
ما كانش عشان أعاقبهم.
كان عشان أقول لهم
الناس اللي بنحبهم مش موجودين عشان يخدمونا... موجودين عشان نقدرهم.
ومن يومها...
كل ما أشوف جلوريا داخلة مطبخها وهي مبتسمة، أفتكر الصورة اللي صورتها في تلك الليلة.
الصورة اللي بدأت منها كل حاجة.
لأن أحيانًا...
صورة واحدة.
وكلمة واحدة.
وقرار واحد...
ممكن يغيروا حياة عيلة كاملة كمل
وقفت جلوريا عند الباب، لا تعرف ماذا تقول.
الرجل كان كبيرًا في السن، يحمل صندوقًا خشبيًا عليه غبار السنين.
قال بهدوء
اسمي توماس... كنت أعمل مع والدك.
تغير وجه جلوريا.
والدي؟
هز رأسه.
آه... وأنا عارف إنك يمكن مش عايزة تسمعي أي حاجة عنه بعد اللي حصل.
نظرت للصندوق.
إيه اللي جواه؟
وضعه على الطاولة وفتحه ببطء.
في الداخل كانت هناك دفاتر قديمة، صور، ورسائل.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباه جلوريا.
كان دفتر وصفات صغير...
نفس نوع الدفتر الذي كانت تكتب فيه وصفاتها وهي شابة.
فتحته.
وفي أول صفحة وجدت خط والدها.
تجمدت.
قالت بصوت منخفض
ده خطه...
قلبت الصفحات.
كانت كل صفحة تحمل ملاحظات عن وصفاتها.
لكن لم تكن ملاحظات نقدية.
كانت كلمات تشجيع.
جلوريا عندها موهبة نادرة.
لازم تكمل.
الناس لازم تعرف طعم أكلها.
رفعت رأسها پصدمة.
أنا مش فاهمة.
تنهد توماس.
وقال
لأنكِ ما عرفتيش كل الحقيقة.
سكت الجميع.
أكمل
والدك كان قاسې في كلامه، وده كان غلط.
لكنه قبل ۏفاته كان نادم على حاجة واحدة.
نظرت له جلوريا.
إيه هي؟
قال
إنه خلاكِ تصدقي إن حلمك أقل من أي شيء.
جلوريا جلست ببطء.
كانت مشاعر كثيرة متداخلة.
ڠضب قديم...
وحزن...
وسؤال ظل معها سنوات.
قالت
طب ليه ما قالش لي؟
خفض توماس عينه.
لأنه كان فاكر إن الوقت لسه قدامه.
لكن الوقت خلص أسرع مما توقع.
نظرت جلوريا للدفتر.
مررت يدها على الصفحة الأولى.
ثم قالت
يعني طول السنين دي...
كان فيه جزء مني هو نفسه كان مصدق إني أقدر؟
هز توماس رأسه.
أيوه.
في تلك الليلة، لم تنم جلوريا كثيرًا.
كانت جالسة في المطبخ، تقلب صفحات الدفتر.
وجدت وصفات قديمة.
أفكار لمشاريع.
أحلام كتبتها ثم نسيتها.
في الصباح، دخلت عليها.
وجدتها تكتب شيئًا جديدًا.
سألتها
إيه ده؟
ابتسمت.
وقالت
كتاب.
نظرت لها باستغراب.
كتاب؟
هزت رأسها.
آه.
مش كتاب وصفات بس.
كتاب عن كل الستات اللي أجلوا نفسهم عشان غيرهم.
نظرت لها وأنا أبتسم.
لأنني عرفت أن جلوريا لم تعد تحاول تعويض السنوات الماضية...
هي كانت تستخدمها لتساعد غيرها.
لكن قبل أن تبدأ كتابة أول فصل...
وصلتها رسالة على هاتفها.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة قديمة لها وهي شابة أمام مطبخ المسابقة.
وتحت الصورة جملة واحدة
هناك شخص آخر يعرف سر تلك الليلة... وهو مستعد أخيرًا أن يتكلم كمل
بعد مرور سنوات، بقي اسم جلوريا معروف في المدينة كلها.
لكن الغريب إن الشهرة ما غيرتهاش.
كانت لسه هي نفس الست اللي تصحى الصبح بدري، تعمل قهوتها، وتقف في المطبخ تتأكد إن كل حاجة معمولة بحب.
الفرق الوحيد...
إنها المرة دي ما كانتش بتعمل ده عشان ترضي حد.
كانت بتعمله لأنها اختارت.
في يوم، كنا قاعدين في المطعم بعد ما كل الزبائن مشيوا.
قالت لي
هانك، فاكر أول يوم فتحت فيه المكان؟
ضحكت.
فاكر طبعًا. كنتِ مړعوپة.
ابتسمت.
كنت فاكرة إن الناس هتضحك عليا.
قلت لها والآن؟
نظرت حولها.
دلوقتي عرفت إن أكبر شخص كان بيقلل مني... كنت أنا.
استغربت.
قالت
كنت طول الوقت مستنية حد يقول لي إن حلمي مهم.
لكن كان لازم أنا اللي أصدق ده الأول.
في نفس اللحظة دخل كيفن.
كان ماسك ظرف.
قال
ماما... فيه حاجة ليكي.
فتحت الظرف.
وكانت دعوة لحفل كبير.
لكن المرة دي لم تكن دعوة عادية.
كان مكتوب فيها
تكريم الشيف جلوريا عن مسيرتها وتأثيرها في دعم المواهب الجديدة.
ضحكت جلوريا.
أنا؟ تكريم؟
قال كيفن
آه يا ماما.
مش عشان الأكل بس.
عشان كل الناس اللي رجعتي لهم الأمل.
نظرت له طويلًا.
ثم قالت
أنت اتغيرت يا كيفن.
ابتسم.
أنتِ اللي علمتيني.
في الحفل، وقفت جلوريا على المسرح.
كانت القاعة مليانة ناس.
لكن عينيها كانت تدور على شخص واحد.
أنا.
لما مسكت الميكروفون قالت
من سنين، كنت أظن إن قيمتي في اللي أقدر أقدمه للناس.
كنت أظن إن حبي ليهم لازم يكون على حساب نفسي.
سكتت قليلًا.
لكن اتعلمت إن الحب الحقيقي مش إنك تختفي عشان غيرك يلمع.
الحب الحقيقي إن الناس اللي حواليك يساعدوك تلمع أنت كمان.
الناس صفقوا.
لكن أنا كنت فاكر ليلة واحدة فقط...
ليلة كانت واقعة فيها على الأرض جنب الفرن.
ليلة كانت بتقول فيها لسه العيش ما خلصش.
الليلة اللي كنت فاكرها لحظة تعب...
طلعت كانت بداية صحوة.
بعد الحفل،
متابعة القراءة