بالصدفة

موقع أيام نيوز

إيده وهي پتبكي وقالت
ولا يوم عدّى من غير ما أدعيلك.
أما ابني، أول ما شاف كريم، جري عليه وقال ببراءة
إنت بقى خالو كريم اللي تيتا كانت بتحكيلي عنه؟
ضحك كريم لأول مرة.
وشاله بين إيديه.
وقال
أيوه يا بطل... وأنا مش هسيبكم تاني.
ومن يومها، اتلم شمل العيلة بعد ثلاثين سنة من الۏجع والانتظار.
واتعلمنا إن الأمل، حتى لو اتأخر سنين طويلة، ممكن في لحظة واحدة يرجع حياة كاملة كانت ضايعة بعد مرور ستة أشهر...
الحياة بدأت ترجع لطبيعتها، لكن وجود كريم وسطنا كان لسه جديد على الكل.
كان بيتعلم تفاصيل فاتته تلاتين سنة.
بيعرف أسماء إخواته وأقاربهم.
وبيحاول يعوض كل عيد ميلاد، وكل مناسبة، وكل حضڼ اتحرم منه.
وفي يوم، وهو بينضف شنطة قديمة كان جايبها معاه، نادى على جوزي.
وقال
تعالى... فيه حاجة لازم تشوفها.
فتح الشنطة، وطلع منها دفتر صغير أسود.
قال
الراجل اللي رباني كان بيكتب فيه كل حاجة.
بدأنا نقلب صفحاته.
في الأول كانت مذكرات عادية.
لكن في آخر الدفتر، لقينا صفحة مكتوب فيها
كريم ليس أول طفل...
كلنا بصينا لبعض.
وقلبي وقع.
كملنا القراءة.
كنت عضوًا في شبكة بټخطف الأطفال وتبيعهم لعائلات مقابل المال... لكن بعد سنوات ندمت، واحتفظت بكريم عندي ولم أبعْه.
البيت كله سكت.
كانت صدمة جديدة.
لكن الصفحة اللي بعدها كانت الأخطر.
كان فيها أسماء وتواريخ...
وبعضها عليه علامة صح.
وفي آخر القائمة...
اسم واحد متشطب عليه بقلم أحمر.
كريم.
وفوق الاسم مباشرة، مكتوب عنوان مخزن قديم على أطراف المدينة.
في نفس الليلة، كريم قال
لازم نسلم الدفتر للشرطة.
وفعلًا، في صباح اليوم التالي، سلموه مع كل المستندات.
وبدأت الجهات المختصة تحقق في الأسماء والعناوين المذكورة.
وبعد أسابيع، اتكشف جزء من الحقيقة، وتم إنقاذ أشخاص والقبض على متورطين، بينما ظلت بعض الوقائع بحاجة إلى تحقيقات أخرى.
أما عيلتنا...
فكانت أخيرًا بدأت تتعافى.
حماتي رجعت تضحك بعد سنين من الحزن.
وابني بقى ينادي كريم
خالو.
وكل ما يروحوا البحر، كانوا يقفوا دقيقة قدام كابينة تغيير الهدوم.
مش عشان يفتكروا الخۏف...
لكن عشان يفتكروا إن الحقيقة، مهما اتأخرت، ممكن تظهر في النهاية، وإن الأمل أحيانًا بيبدأ من المكان اللي ظنينا إنه كان نهاية الحكاية بعد سنة كاملة...
العيلة قررت تعمل حاجة مكانتش حد يتخيلها.
رجعنا كلنا لنفس بيت المصيف.
ونفس الشاطئ.
ونفس الكابينة.
لكن المرة دي، مفيش خوف.
ولا أسرار.
ولا دموع.
كريم وقف قدام البحر وساب الموج ېلمس رجليه، وقال وهو بيبتسم
أول مرة أحس إني رجعت بيتي.
وفي المساء، وإحنا قاعدين بنتعشى، رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة، ومعاه ظرف رسمي.
قال
أنا بدور على الأستاذ كريم.
استغربنا.
كريم خرج يقابله.
الشاب سلمه الظرف وقال
دي وصية اتأجل تنفيذها سنة كاملة، بناءً على طلب صاحبها.
أول ما قرأ كريم اسم المرسل...
وشه اصفر.
كان اسم الرجل اللي ربّاه.
فتح الظرف.
كان جواه خطاب طويل، ومعاه مفتاح صغير جدًا.
وفي أول سطر مكتوب
لو الرسالة وصلت لك، يبقى أنا مت، وأخيرًا هقولك الحقيقة كاملة.
سكت كريم شوية، وبعدها بدأ يقرأ بصوت مسموع.
أنا خطڤتك... وده أكبر ذنب عملته في حياتي. لكن في حاجة واحدة ما قلتهاش لحد... أنا ماخدتكش من الشاطئ. أنا استلمتك من شخص تاني.
البيت كله اتجمد.
كريم كمل القراءة وهو صوته بيترعش.
الشخص ده كان يعرف عيلتك كويس... وكان دخوله وخروجه بيتكم طبيعي جدًا. ولحد آخر يوم في حياتي، احتفظت بدليل يثبت هويته.
كل الأنظار راحت ناحية المفتاح.
في آخر الخطاب كان مكتوب عنوان خزنة بأحد البنوك.
وفي السطر الأخير
الدليل موجود هناك... ولما تشوفوه، هتعرفوا إن اللي خانكم... ماكانش غريب.
انتهت الرسالة...
وساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا بص للتاني...
لأن المعنى كان واحد.
الخېانة بدأت من شخص قريب جدًا من العيلة بعد يومين، وقفنا كلنا قدام الخزنة في البنك.
الموظف طلب من كريم بطاقته، وبعد إجراءات طويلة، فتح الخزنة
وسلمه صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
إيد كريم كانت بترتعش وهو بيفتحه.
جواه كان فيه شريط كاسيت قديم، ومظروف، وميدالية صغيرة عليها اسم كريم.
فتحنا المظروف أولًا.
كان فيه اعتراف مكتوب بخط الراجل اللي ربّاه
أنا خطفته... لكن ما كنتش لوحدي. اللي ساعدني كان شخص من البلد، كان بيشتغل على الشاطئ، وكان بياخد فلوس مقابل إنه يبلغنا الأطفال اللي بيبعدوا عن أهلهم. أما عيلتكم، فلم يكن أحد منهم متورط، ولا حد منهم باع ابنه أو خانه. كل اللي حصل إنهم وثقوا في الشخص الغلط.
تنفسنا كلنا الصعداء.
حماتي اڼفجرت في البكاء، وهي بتردد
يعني... عمرنا ما خُنّا بعض.
أما الشريط، فقد كان عليه تسجيل بصوت الرجل قبل ۏفاته.
قال فيه
أنا عارف إن الاعتذار مش هيرجع السنين اللي ضاعت. لكن الحقيقة لازم تتقال. أم كريم فضلت تدور عليه سنين، وأبوه عمره ما فقد الأمل. وأنا استحق أتحاسب على اللي عملته.
سلم كريم الصندوق كله للشرطة، واتفتح التحقيق من جديد.
وبعد شهور، تم القبض على آخر شخص كان متورط في شبكة خطڤ الأطفال، واعترف بجرائم قديمة ساعدت في كشف مصير أطفال مفقودين تانيين، وأخد كل متورط عقابه بالقانون.
أما كريم...
فقرر يسيب شغله وينقل يعيش قريب من أهله.
وكان أول عيد ميلاد يقضيه وسط عيلته بعد أكثر من ثلاثين سنة.
حماتي كانت قاعدة تبصله وهو بيضحك مع أولاد أخوه، ودموع الفرح في عينيها.
قالت بهدوء
كنت فاكرة إن ربنا نساني... لكنه كان مأجل فرحتي.
ابتسم كريم، وقبّل إيدها وقال
السنين اللي راحت مش هترجع... لكن اللي باقي من عمرنا، هنعوض فيه كل حاجة.
ومن يومها، بقت رحلة العيلة للمصيف عادة كل صيف.
كانوا يقفوا دقيقة قدام كابينة تغيير الهدوم التي بدأت عندها الحقيقة تظهر، ثم يمشوا ناحية البحر، وهم عارفين أن أصعب الچروح قد تلتئم عندما تظهر الحقيقة، وأن الثقة بين أفراد العائلة كانت أقوى من أي مؤامرة فرّقتهم لسنين طويلة.
تمت.

تم نسخ الرابط