رواية كامله
المحتويات
بهدوء. إذا حدث لي شيء في الطريق، فابحثي في المحافظة المجاورة. اسم القابلة أمينة. هي تعرف الحقيقة.
انتهى التسجيل بثلاث ضربات واضحة ومقصودة على جهاز التسجيل.
طرق.
طرق.
طرق.
كانت إشارتنا السرية.
الإشارة نفسها التي كانت زهراء تستخدمها وهي طفلة، عندما تأتي إلى باب غرفتي بعد أن ترى كابوسًا.
في تلك اللحظة، بدأت أفهم المكالمة.
ربما لم يكن ما حدث مجرد صوت شبح، أو ربما لم يكن شبحًا وحده.
كان هناك شخص وجد الهاتف القديم الذي كانت زهراء تستخدمه سرًا.
وشخص استطاع الوصول إلى آثارها الرقمية القديمة.
وشخص يعرف إشارتها السرية.
وقد يكون ذلك الشخص ما يزال حيًا.
قال ليث وهو يفتح الخريطة في هاتفه
المستوصف القديم الذي كانت تعمل فيه القابلة أمينة ليس بعيدًا عن هنا.
وقفت فورًا وأمسكت حقيبتي.
قلت
لنذهب.
أوقفتنا المحققة عند الباب.
قالت
لن تذهبا وحدكما. إذا كانت هناك قابلة غير مسجلة شاركت في إخفاء ولادة أو تزوير أوراق، فعلينا أن نتعامل مع الأمر وفق الإجراءات القانونية.
الصبي صاحب العينين
استغرقت الإجراءات يومين قاسيين.
يومين لم يجرؤ فيهما فاضل السامرائي على إظهار وجهه في القرية.
ويومين أمضاهما فريق الأدلة الجنائية في حفر البئر وفحصه بعناية شديدة.
لم يعثروا على جثمان زهراء كاملًا.
لكنهم وجدوا أجزاء من عظام، وقطعًا من قماش بنطال محترق، وإبزيم حزام فضيًا كنت قد اشتريته لها في عيد ميلادها الثامن عشر، وبقايا ملف طبي متعفن داخل كيس محكم الإغلاق.
ثم وجدوا شيئًا أخرج كل القوة من جسدي.
قلادة فضية على شكل هلال.
كانت قلادة زهراء المفضلة.
لم تكن موجودة في النعش الذي سلموه لي.
كنت قد اشتريتها لها من سوق شعبي في بغداد في يوم أحد، يوم جلسنا نأكل الحلوى ونضحك على أشياء بسيطة لا قيمة لها.
قالت لي يومها إن الهلال يشبه قطعة من سماء الليل يمكنها حملها معها أينما ذهبت.
وضعت المحققة القلادة داخل كيس أدلة شفاف وسلمتني إياها لأراها.
ضغطت الكيس على شفتي.
لم تكن ابنتي كلها.
لكنها كانت دليلًا كافيًا ليبدأ كذبهم الكبير بالڼزف.
توجهنا إلى المحافظة المجاورة برفقة المحققين وقوة أمنية.
كانت البلدة الريفية تفوح منها رائحة الحطب المحترق والتراب المبتل.
ومن ورش النجارة والمخازن القريبة جاء صوت الآلات، كأنه قلب ضخم ينبض وسط الشوارع الهادئة.
في حياة أخرى، كانت زهراء تحلم بأن تنتقل إلى مكان كهذا وتفتح مخبزًا صغيرًا.
كانت القابلة المتقاعدة أمينة تسكن في منزل صغير مبني من الطابوق، وفوق بابه قطعة قماش خضراء كتبت عليها آية قصيرة.
عندما ذكر المحققون اسمي، اڼهارت بالبكاء قبل أن تفتح الباب الخارجي بالكامل.
قالت وهي تبكي
كنت أعرف أنك ستقفين أمام هذا الباب يومًا.
أمسكت بإطار الباب حتى لا أسقط.
سألتها
أين حفيدي؟
غطت أمينة وجهها بيديها المرتجفتين.
ثم قالت
إنه حي.
شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
حي.
أجمل كلمة سمعتها منذ عشر سنوات.
جلسنا إلى طاولة مطبخها.
كانت رائحة القرفة والخۏف القديم تملأ المكان.
اعترفت أمينة بأن زهراء وصلت إليها ذات ليلة وهي تعاني من مخاض صعب، وكان معها الأخوان السامرائي.
كانت زهراء تكرر أنها لا تريد الذهاب معهما إلى أي مكان آخر.
وكانت تتوسل أن يسمحوا لها باستخدام الهاتف الأرضي للاتصال بي.
وُلد الطفل قبل شروق الشمس بقليل.
كان صبيًا.
حفيدي.
سألتها بصوت خالٍ من الحياة
وماذا حدث لابنتي؟
ازداد بكاؤها.
قالت
أخذوها داخل صندوق السيارة. قالوا لي إنني إذا تكلمت، فسوف يختفي أولادي قبل غروب الشمس. وبعد ساعة جاءت امرأة من بلدة مجاورة وأخذت الطفل. لم أعرف اسمها الحقيقي. كل ما أتذكره أنها كانت ترتدي وشاحًا صوفيًا أزرق، وتحمل مسبحة سوداء.
سألتها المحققة
من أرسلها؟
لم تجب أمينة بالكلام.
مدت إصبعها فقط، وضړبت على صورة المحافظ رائد السامرائي الموضوعة فوق الطاولة.
كان ذلك كافيًا.
استمر البحث ستة أسابيع مؤلمة.
لم يكن الأمر كما يحدث
في الأفلام،
متابعة القراءة