رواية كامله
المحتويات
المختصة في بغداد. لن أعطيها لك.
ظهر الانزعاج على وجهه.
قال
يا خالة، لا تجعلي الأمر معقدًا.
قلت
هم من جعلوه معقدًا طوال عشر سنوات.
رفعت أم علي هاتفها، وكانت نقطة التسجيل الحمراء ظاهرة على الشاشة.
قالت
أنا أصور كل ما يحدث يا حضرة الضابط.
تغير أسلوبه فورًا.
وتراجع.
الطريق إلى بغداد
مع طلوع الفجر، بدا بيتي كأنه مجلس عزاء من جديد.
كانت القهوة تغلي على الموقد.
والجيران يتحدثون بصوت خاڤت في الممر.
وإطار صورة زهراء المكسور موضوعًا على طاولة المطبخ.
وصورة السونار القديمة بجانب مسبحتي.
أما الهاتف الأرضي المغطى بالغبار فبقي صامتًا على الحائط، وكأنه لم يرن في حياته.
عند الساعة الثامنة تمامًا، وصل ابن أختي، ليث، من بغداد.
كان يعمل في إحدى الدوائر الحكومية، ويعرف كيف يتعامل مع الإجراءات والدوائر والأبواب التي لا تُفتح بسهولة.
عندما رأى العلبة المعدنية، لم يسألني إن كنت أتخيل أو فقدت عقلي.
احتضنني بقوة وقال
خالتي، سنذهب إلى بغداد حالًا.
سألته
وماذا عن البئر؟
قال
سيبقى تحت المراقبة. لن يلمسه أحد.
عقدت أم علي ذراعيها وقالت بثبات
سأجلس على هذه الشرفة أنا وابني ونصف أهل القرية إن لزم الأمر. وليحاولوا الاقتراب.
لم تكن من دمي، لكنها في ذلك الصباح كانت أقرب إليّ من كثير من أقاربي.
انطلقنا بسيارة ليث القديمة، والعلبة المعدنية محصورة بإحكام بين ركبتيّ.
سلكنا الطريق المؤدي إلى بغداد، وعبرنا المنعطفات نفسها التي زرعت الخۏف في قلبي سنوات طويلة بعد حاډث زهراء المزعوم.
رأيت نهر ديالى في البعيد، ساكنًا ورماديًا تحت ضباب الصباح، وكأنه مغطى بقطعة قماش جنائزية.
فكرت في الشموع التي توقد من أجل المفقودين.
وفي العائلات التي تمضي لياليها دون نوم وهي لا تعرف إن كانت تدعو لأحياء أم لأموات.
أما أنا، فقد أمضيت عشر سنوات أدعو أمام غياب لم يكن قبرًا حقيقيًا.
وصلنا إلى إحدى الجهات القضائية المختصة في بغداد.
جعلونا ننتظر في صالة الاستقبال.
بالطبع.
فالحزن ينتهي به الأمر دائمًا جالسًا على مقاعد بلاستيكية قاسېة.
تحدث ليث مع الموظفين مباشرة، وأرسلت أم علي مقاطع الفيديو التي سجلتها.
وسلمت أنا نسخًا مصورة من الأدلة، لا الأصول، لأن ليث أصر على تصوير كل شيء قبل أن نغادر المنزل.
عندما دخلت إلينا المحققة المسؤولة، تغير وجهها فور أن قرأت اسم المحافظ رائد السامرائي.
لم تقل شيئًا، لكن عضلة صغيرة تحركت في فكها.
قالت
يا أم زهراء، هل أنت مستعدة لتقديم إفادة رسمية مسجلة؟
قلت
أمضيت عشر سنوات أقدم إفادتي إلى صورة معلقة على الحائط. اليوم، أريد من شخص يحمل صفة رسمية أن يسمعني أخيرًا.
واستمعوا.
لم يكن الأمر سريعًا.
ولم يكن سهلًا.
لكنهم استمعوا.
بدأ التحقيق الرسمي على مستوى مركزي في عصر اليوم نفسه.
توجه فريق مختص لتأمين البئر الموجود في منزلي.
وفحص خبراء الأدلة الجنائية العلبة، والدفتر، وصورة السونار، وسوار المستشفى.
أما شريط التسجيل الصغير، فقد أُرسل إلى مختبر تقني لاستعادة الصوت المسجل عليه.
لم أكن أريد أن أتركه يبتعد عن نظري، لكن إحدى فنيات المختبر الشابات نظرت إليّ بعينين طيبتين وقالت
سنحافظ عليه يا خالة.
قلت
هذا ما قاله لي المسؤول عن تجهيز جثمان ابنتي.
خفضت الفتاة عينيها باحترام.
ثم قالت
أنا لست واحدة منهم.
قررت أن أصدقها قليلًا.
كان الملف الصوتي المستعاد جاهزًا بحلول المساء.
سمحوا لنا بسماعه في غرفة معزولة عن الصوت.
في البداية سمعنا تشويش الشريط.
ثم ظهر صوت زهراء.
كانت تبدو صغيرة جدًا.
حية جدًا.
وخائڤة جدًا.
قالت في التسجيل
أمي، إذا وصل هذا الشريط إليك، فلا تبكي كثيرًا. حسنًا، ابكي، لأنك تبكين على كل شيء، لكن بعدها انهضي من جديد. أنا حامل. رائد يقول إن الطفل ابنه، لكنه لا يريد طفلًا. هو يريد الحفاظ على سمعته. شقيقه أحضر أوراقًا لكي أتنازل عن طفلي، ورفضت التوقيع. والآن يقولون إنهم سيأخذونني إلى مكان بعيد حتى ينهوا الأمر
متابعة القراءة