اخويا كلمني

موقع أيام نيوز

ماكانوش وصلوا لها.
بدأنا نفتش الخزانة.
ملف 12...
18...
23...
26...
ثم...
27.
كان أرفع من باقي الملفات.
فتحته...
ولقينا جواه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها عنوان.
وعنوانه...
لم يكن داخل المزرعة أصلًا.
كان عنوان مبنى قديم في وسط المدينة.
وفي آخر الورقة، كتبت جدتي
لو وصلتي لحد هنا... يبقى دور المزرعة انتهى، والحقيقة الكاملة هتلاقيها هناك.
رفعت رأسي ببطء.
وقبل ما أتكلم...
سمعنا صفارات سيارات تقترب من بوابة المزرعة، وتوقفت واحدة تلو الأخرى.
كلنا اتجهنا ناحية النافذة الصغيرة.
ولقينا رجالًا ينزلون ويحملون ملفات وأجهزة تصوير...
وكان واضح إن وصولهم هيغير مجرى الأحداث تمامًا.
يتبع...وقفت أبص من الشباك الصغير.
العربيات وقفت قدام البوابة الرئيسية.
نزل منها خمسة أشخاص.
مش لابسين بدلات رسمية... لكن كل واحد كان شايل حقيبة مليانة أوراق وأجهزة.
أخويا قال بقلق هما دول مين؟
قبل ما حد يرد...
مدير المزرعة ابتسم لأول مرة من ساعات.
وقال أنا اللي طلبتهم.
كلنا بصيناله باستغراب.
قال لما حضرتك كلمتيني وإنتِ راجعة من المطار، وقلتيلي أحافظ على كل حاجة زي ما هي، فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي.
سألته مين هما؟
قال فريق متخصص في فحص المستندات وحصر ممتلكات المزرعة.
الرجل الكبير هز رأسه بإعجاب.
وقال قرار سليم.
خرجنا من الغرفة السرية، واستخدمنا الممر الخلفي.
لما وصلنا لساحة المزرعة...
كان الفريق بدأ يصور كل حاجة.
اللافتة.
البوابة.
المخزن.
حتى آثار إطارات العربيات الموجودة على الأرض.
واحد من الفريق قرب مني وقال من فضلك... محدش ېلمس أي ورقة من دلوقتي.
وفي نفس اللحظة...
جري علينا الحارس وهو بيقول
الناس اللي كانوا بيفتشوا البيت... هربوا.
قلت سابوا حاجة وراهم؟
ناولني حقيبة جلد سوداء.
قال كانت مرمية جنب السلم.
فتحتها.
كان فيها ملفات فاضية...
إلا جيب صغير في الداخل.
مديت إيدي.
طلعت منه ورقة مطوية.
فتحتها...
لقيت قائمة.
فيها تواريخ.
وأسماء مزارع وأراضٍ مختلفة.
وبجوار كل اسم...
علامة صح.
إلا اسم مزرعتنا...
كان قدامه علامة استفهام كبيرة.
الرجل الكبير أخد الورقة، وفضل يبص فيها دقيقة كاملة.
ثم قال بهدوء
واضح إن مزرعتكم ما كانتش الهدف الوحيد.
سألته يعني إيه؟
رد
يعني في حد بيدور على حاجة معينة... ولف على أكتر من مكان قبل ما يوصل هنا.
وقبل ما نكمل الكلام...
رن موبايل الشاب اللي جاب الظرف.
رد بسرعة.
وسكت.
ثم بصلي وقال
في خبر غريب.
قلت إيه هو؟
قال
في واحد راح الصبح للمبنى القديم اللي مكتوب عنوانه في الملف 27...
سألته بلهفة وبعدين؟
رد
وصل متأخر.
لأن حد كان سبقه بساعات...
ثم أضاف وهو يحدق في الورقة
والأغرب... إن الشخص ده سأل عنك بالاسم.
يتبع...وصلنا المبنى القديم قبل غروب الشمس.
كان مبنى صغيرًا، مهجورًا من الخارج، لكنه ما زال محتفظًا بهيبته.
استقبلنا رجل مسن، وما إن رآني حتى قال
أخيرًا... صاحبة الأمانة وصلت.
أدخلنا إلى غرفة مليئة بالملفات والصناديق القديمة.
ثم وضع أمامي صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقال جدتك كانت تيجي هنا كل سنة، وتقول لو حفيدتي جت يوم من الأيام، يبقى تسلمها ده.
فتحت الصندوق...
لم يكن فيه ذهب.
ولا مجوهرات.
ولا ملايين.
كان فيه دفتر، وصورة قديمة لجدتي مع مجموعة شباب وبنات.
ورسالة.
بدأت أقرأ
يا بنتي... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتي إن الطمع بيخلي الإنسان يشوف الفلوس بس، وينسى قيمة اللي في إيده. المزرعة ما كانتش مجرد أرض. كانت وسيلة عشان نساعد ناس تبدأ من جديد، وتتعلم، وتشتغل بكرامة. لو بعتها... هينتهي كل ده. ولو حافظتي عليها... الخير هيفضل مستمر بعدنا.
وفي آخر الرسالة كانت جملة واحدة
أغنى إنسان... مش اللي يملك أكتر، لكن اللي يترك أثرًا طيبًا بعده.
قفلت الرسالة، وأنا حاسة إني فهمت كل حاجة.
رجعنا المزرعة.
الفريق أنهى مراجعة كل المستندات.
واتضح أن عقد البيع باطل بالكامل، لأن أخويا لم يكن يملك أي حق في التصرف، والتوقيعات والإجراءات لم تستوفِ الشروط القانونية، فلم تنتقل الملكية أصلًا.
أما المبلغ اللي أخده...
فاضطر يرجعه بالكامل بعد ما اتثبت إنه تسلمه بدون وجه حق، واضطر يبيع مشروعه ويسدد كل الالتزامات المترتبة عليه.
وقف قدامي بعد أيام، وقال بصوت منخفض
أنا غلطت... افتكرت إني بعمل الصح.
قلت له بهدوء
الغلط بيتصلح... لكن الثقة لما بتتكسر، محتاجة وقت طويل عشان ترجع.
لم أطرده من حياتي...
لكن سلمته مسؤولية بسيطة داخل المزرعة، يخدم الناس بدل ما يتصرف في حقوقهم، وقلت له إن استعادة الثقة تكون بالأفعال، لا بالكلام.
أما المزرعة...
فبدلًا من بيعها، وسّعت المشروع اللي بدأته جدتي.
كبرت بساتين التفاح.
وزرعنا حقولًا جديدة.
وحوّلنا البيت القديم إلى مركز تدريب مجاني للشباب والبنات على الزراعة وإدارة المشروعات الصغيرة.
وبعد سنة...
وقفت في نفس المكان عند البوابة.
نزعت لافتة تم البيع بنفسي.
وعلقت مكانها لافتة جديدة مكتوب عليها
مزرعة الجدة... أرض تُزرع بالخير قبل الزرع.
وقفت أتأمل الأشجار وهي تتحرك مع الهواء، وابتسمت.
وقتها فقط...
حسيت إني ما حافظتش على أرض ورثتها...
أنا حافظت على وصية... وعلى أثر إنسانة كانت تؤمن أن الخير هو أغلى ميراث يمكن أن يتركه الإنسان.
تمت.

تم نسخ الرابط