اخويا كلمني
أخويا كلمني وأنا واقفة في طابور التفتيش في المطار، وقال لي بكل برود إنه باع المزرعة بتاعتي.
مش استأذن.
ومش حتى بلغني.
لا... باعها وخلاص.
قال لي بعتها ب مليون دولار، والمفروض تشكريني... المكان ده كان مرمي ومحدش بيستفيد منه.
كانت شنطتي على السير، وجواز سفري في إيدي، وكنت خلاص هسافر في أول إجازة آخدها من أربع سنين.
لكن خرجت من الطابور فورًا.
قلت له إنت بتقول إنك بعت مزرعتي؟
ضحك وقال بلاش تكبري الموضوع... إنتِ عايشة في المدينة، وبقالك كتير مش بتروحي هناك.
المزرعة دي كانت قيمتها 6 3 مليون دولار.
كانت على أرض واسعة فيها بساتين تفاح متجددة، وحقول ورد بري، وبحيرة، وورثتها من جدتي قبل ما ټتوفى. وبعد الحريق اللي كان هيقضي على جزء كبير منها، أنا اللي رممتها حتة حتة. أنا اللي كنت بدفع الضرائب، وأنا اللي عينت العمال، وأنا كمان حولت المخزن القديم لمكان يستضيف الشباب اللي خرجوا من دور الرعاية عشان يبدأوا حياتهم.
هو كان بيقول عليها هوايتك في الأرياف.
أما بالنسبة لي... فكانت المكان الوحيد اللي كنت بحس فيه إنه بيتي بجد.
سألته فين فلوس البيع؟
سكت لحظة...
وبعدين قال صرفتها.
حسيت إن الډم اتجمد في عروقي.
قلت له صرفتها على إيه؟
رد بمنتهى البساطة على مشروع حبيبتي... هي كانت محتاجة الفلوس أكتر منك.
لثواني... ماعدتش سامعة أي صوت حوالي.
وبعدين كمل بلاش أنانية... عندك أملاك تانية.
قفلت المكالمة، وألغيت السفر قبل حتى ما يخلص كلامه.
وفي نفس اليوم ركبت عربية إيجار وسافرت ست ساعات على طول، وأنا بكلم المحامي، ومدير المزرعة، ومكتب الشهر العقاري. وهو طول الطريق بيبعت رسايل
ما تكبريش الموضوع.
كل حاجة خلصت.
العيلة لازم تساند بعض.
ولما وصلت عند بوابة المزرعة، كان الڠضب اتحول لحاجة أهدى...
لكن أخطر.
أول حاجة شفتها كانت لافتة مكتوب عليها تم البيع مرمية جنب المدخل.
وكان واقف جنبها أخويا، والبنت اللي مرتبط بيها، وراجل لابس بدلة كحلي رخيصة وماسك ملف.
البنت كانت لابسة نضارة شمس، ووشها كله ثقة، كأنها بدأت تختار شكل العفش.
أخويا فتح دراعاته وقال شايفة؟ مفيش کاړثة ولا حاجة... المشتري مبسوط، ومشروعها اتنقذ، وكل الناس كسبت.
بصيت للراجل اللي ماسك الملف...
وبعدين بصيت على المزرعة...
وبعدين على البوابة المقفولة...
وفجأة اڼفجرت في الضحك.
ماكنتش قادرة أمسك نفسي.
ابتسامته اختفت، وقال وهو متوتر إيه اللي يضحك؟
مسحت دموع الضحك وقلت
اللي يضحكني... إنك بعت مزرعة مش من حقك أصلًا، لشخص أساسًا مش موجود، وباستخدام عقد ملكية بقى باطل من ست شهور.
البنت نزلت النضارة من على وشها.
والراجل اللي ماسك الملف اتجمد مكانه.
أما أخويا...
فلأول مرة... الخۏف ظهر في عينيه.
بعد ما قلت الجملة دي... ساد صمت غريب.
حتى الهوا اللي كان بيعدي بين الشجر حسيت إنه وقف.
أخويا حاول يضحك وقال إنتِ بتهزري... العقد معانا أهو، ومختوم.
بصيت للملف اللي في إيد الراجل، ومديت إيدي بهدوء.
الراجل اتردد، لكن سلمني الورق.
قلبت أول صفحة... والتانية... والتالتة.
وبعدين رفعت عيني وقلت هو إنتوا حتى مقريتوش اللي مضيتوا عليه؟
البنت قالت بعصبية إحنا خلصنا كل الإجراءات القانونية.
ابتسمت ابتسامة هادية ورديت الإجراءات القانونية؟ يبقى مين فيكم يعرف يعني إيه قيد احترازي؟
الراجل اتغير لون وشه.
خطڤ الملف من إيدي بسرعة، وبدأ يقلب الصفحات بنفسه.
كل ثانية كانت ملامحه بتتبدل.
لحد ما وقف عند صفحة معينة...
واتسعت عينيه.
همس بصوت واطي مستحيل...
أخويا قرب منه وقال في إيه؟
ما ردش.
فضل يبص في الورق، وبعدها طلع موبايله بسرعة، واتصل بحد وهو بيبعد كام خطوة.
أما أنا... فاتجهت ناحية البوابة.
مدير المزرعة خرج أول ما شافني، وقال الحمد لله إنك وصلتي.
هززت راسي وسألته كل حاجة زي ما طلبت؟
قال بثقة ولا ورقة خرجت من هنا... ولا مفتاح اتسلم... وكل الكاميرات سجلت من أول ما جم.
أخويا سمع كلمة الكاميرات، فلف ناحيتي بسرعة.
وقال كاميرات إيه؟
رد مدير المزرعة كل التحركات عند البوابة، والمخازن، والمكتب الإداري... متسجلة بالدقيقة.
البنت بدأت تبص لأخويا بقلق لأول مرة.
وقالت بصوت واطي إنت قلتلي إن الموضوع مضمون.
ابتلع ريقه وقال هو... كان مضمون.
في اللحظة دي...
العربية اللي كان الراجل لابس البدلة جاي بيها بدأت ترجع لورا ببطء.
الراجل قفل الملف، وبص لأخويا بنظرة مختلفة تمامًا عن أول ما جه.
وقال بحدة إحنا محتاجين نتكلم... لوحدنا.
لكن قبل ما يتحركوا...
سمعنا صوت عربية تانية بتقف قدام البوابة.
نزل منها شخص شايل حقيبة جلد سوداء، وما إن لمحڼي حتى قال
أستاذة... معايا المستندات الأصلية اللي طلبتيها.
أخويا شحب وشه بالكامل...
لأنه كان عارف كويس جدًا إيه هي المستندات دي...
لكن ماكنش متخيل إنها هتوصل في التوقيت ده الشخص قرب بخطوات ثابتة، وفتح الحقيبة الجلد قدام الجميع.
طلع منها ملف سميك، عليه ختم أحمر كبير.
ناولني الملف وقال دي النسخ الأصلية، ومعاها محضر الاستلام، وكمان صورة من الإخطار اللي اتبعت من ست شهور.
أخويا حاول يقاطع وقال إخطار إيه؟ أنا ماجاليش أي إخطار.
الرجل رد بهدوء بل وصلك، وفي توقيع بالاستلام كمان.
اتجمد أخويا.
أما البنت، فبصت له باستغراب وقالت إنت قلتلي إن كل الورق باسمك!
ما ردش.
فضل واقف، وعينه بين الملف وبين الأرض.
فتحت أول ورقة، ورفعتها قدامهم.
وقلت من تاريخ ست شهور، تم تعديل نظام إدارة المزرعة، وأي تصرف فيها، بيع أو تنازل أو رهن، لازم يتم بحضوري شخصيًا وبعد التحقق من هويتي.
الراجل اللي كان ماسك ملف البيع قال وهو بيبلع ريقه وده معناه إن العقد...
قلت وأنا بقفل الملف معناه إنه اتعمل على أساس غير صحيح.
في اللحظة دي...
وصلت عربية تالتة.
لكن دي ماكنتش زي اللي قبلها.
كانت عربية فخمة، ونزل منها راجل كبير في السن، أول ما شاف المزرعة وقف يبص حواليه كأنه يعرف المكان من زمان.
أول ما لمحڼي، ابتسم وقال الحمد لله إننا وصلنا قبل ما يحصل أي تسليم.
أخويا همس للبنت هو ده مين؟
البنت هزت كتفها وهي بدأت تقلق أكتر.
أما الراجل الكبير، فمد إيده يصافحني وقال أنا كنت مستني اليوم ده من شهور.
سألته حضرتك جبت الحاجة؟
ابتسم وقال كلها... حتى النسخة اللي محدش كان يعرف إنها موجودة.
وساعتها...
فتح حقيبته ببطء، وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا، عليه ختم جدتي الشخصي.
أول ما وقع نظر أخويا على الختم...
رجع خطوة لورا، وكأن الذكريات كلها هاجمته مرة واحدة.
أما أنا...
فمددت إيدي ناحية الظرف، وأنا عارفة إن اللي جواه هيغيّر مجرى كل اللي واقفين هنا...
يتبع...أخدت الظرف بهدوء... بينما كل العيون كانت متعلقة بإيدي.
حتى أخويا، اللي من شوية كان بيتكلم بثقة، بقى واقف ساكت تمامًا.
فتحت الظرف بحذر.
طلعت منه ورقة قديمة، لونها مائل للاصفرار، لكن الختم والتوقيع كانوا واضحين جدًا.
بصيت فيها ثواني... ثم رفعت عيني.
وقلت فاكر آخر يوم زرنا فيه جدتي سوا؟
أخويا بلع ريقه وقال ماله؟
قلت اليوم اللي خرجت فيه من الأوضة قبل ما تمضي على أي ورقة... لأنك قلت إنك مستعجل.
وشه بدأ يصفر.
أما البنت، فكانت بتتنقل بنظرها بينا وهي مش فاهمة.
الرجل الكبير قال الورقة دي كانت محفوظة عندي بناءً على طلب صاحبة المزرعة، ومحدش كان يفتحها إلا لو حصل ڼزاع.
الراجل صاحب البدلة قرب خطوة وقال ممكن نشوفها؟
ناولته الورقة.
قرأ أول سطر...
ثم سكت.
كمل السطر اللي بعده...
وفجأة نزل الورقة من إيده وهو بيقول إحنا لازم نوقف أي إجراء فورًا.
أخويا صړخ ليه؟!
رد الراجل بجدية لأن الورقة دي بتثبت إن فيه شرط واضح جدًا، ولو الشرط ده اتكسر، أي تصرف في المزرعة يعتبر لاغي من أساسه.
البنت