رواية كامله

موقع أيام نيوز


اللي انتهت تماماً. الثقة اللي كانت تربطني بيك، وإنك شريكي في الحياة، وإننا بنبني مستقبلنا مع بعض. لكن الحقيقة إنك كنت شريكاً في سړقة جهودي، وكنت تسكت لما أشوف ظلماً يصيبني، وكنت تعتبر راحتي أقل من رغبات أمك. لو سحبت البلاغ اليوم، هل ستتغير الحقيقة؟ هل ستنسي نفسي اللي عشتها 8 سنين؟ هل سأثق فيك مرة أخرى وأنا أعلم إنك ستفضلها عليا في أي موقف قادم؟.
سكت ولم يرد، لأنه يعلم أن ما أقوله صحيح ولا رد عليه. فأكملت كلامي أنا مش عايزة أضر أحداً، ولا أريد أن تُسجن أمك، ولا أريد أن تُدمر حياتها. لكني أريد الحق يعود لأصحابه، وأريد أن يُعرف للجميع إنني لست المخطئة، وإنني لست شريرة، بل كنت الضحېة التي سكتت طويلاً حتى اڼفجرت.
وكان قرار النيابة قد بدأ يتضح بما أن المبالغ تم تحويلها بمعرفتي ورضاي في البداية، ولم يكن هناك إكراه مادي مباشر، فإن القضية الجنائية ستُحول لقضية مدنية، لاسترداد ما يمكن استرداده، وتحديد طبيعة تلك المبالغ. وهذا كان ما أريده تماماً إثبات الحق، واستعادة جزء من حقي، ووضع حد نهائي لهذا الوضع.

الانفصال وبداية الحياة الجديدة
بعد مرور شهرين من الإجراءات، تقدمت بطلب للانفصال القانوني، ووضحت الأسباب للقاضي عدم الاحترام، التدخل المستمر في الحياة الزوجية، عدم وقوف الزوج بجانبي، والاستغلال المادي المستمر. وعندما عرضت جميع الأدلة أمام المحكمة، كانت الحجة واضحة لا تقبل جدالاً.
في جلسة النطق بالحكم، كان شريف يجلس بجانب محاميه، وعزيزة تجلس في الخلف، تنظر لي بنظرة حقد وكراهية، بينما كنت أنا أجلس بهدوء، وكأنني أرتاح من حمل ثقيل كنت أحمله على ظهري لسنوات.
قال القاضي في قراره ثبت أمام المحكمة أن الزوجة كانت تتحمل كافة نفقات الأسرة، وأن المبالغ الكبيرة التي تم تحويلها لوالدة الزوج تجاوزت حدود المساعدة والواجب، واتجهت نحو الاستغلال لما تملكه الزوجة من دخل، في حين لم تكن هناك حاجة ماسة لها. كما ثبت تقصير الزوج في حماية زوجته وبيته، وعدم قدرته على وضع حدود واضحة بين الحقوق والواجبات.
وتم الحكم بالانفصال، وتحديد المبالغ التي يجب إعادتها لي، وهي جزء من المبالغ المحولة، بعد احتساب ما تم صرفه كمساعدة معقولة، وما يعتبر تجاوزاً للحدود. ولم يكن المبلغ الكلي هو ما يهمني، بل الحكم نفسه، الذي أثبت لي ولكل من سمع به إنني كنت على حق، وإن صمتي السابق لم يكن عجزاً، بل كان انتظاراً للوقت المناسب.
خرجت من قاعة المحكمة، وأنا أشعر بحرية لم أشعر بها منذ سنوات. شمس القاهرة بدت ألمع، والهواء بدا أنقى، وكأن وزناً ثقيلاً قد رفع عن صدري. وكنت أعلم إنني سأواجه كلام الناس، والانتقادات، والاټهامات، لكنني لم أعد أهتم بها. لأول مرة في حياتي الزوجية، أتخذ قراراً لصالح نفسي، لصالح كرامتي، ولصالح مستقبلي.
بعد الانفصال، استقرت في شقة جديدة اخترتها بنفسي، قريبة من عملي، هادئة، لا يوجد فيها ذكريات الماضي المؤلمة. ركزت كل جهدي في تطوير عياداتي، وتوسيع نشاطي، وبدأت أتعاون مع جمعيات خيرية لمساعدة الأطفال في علاج أسنانهم مجاناً، فأردت أن أوجه أموالي لما يفيد الناس فعلاً، وليس لما يرضي نزوات البعض.
وبمرور الوقت، تغيرت نظرة الناس تدريجياً. عندما سمعوا القصة كاملة، وعرفوا كم المبلغ الذي كان يُصرف، وكيف كان يُستخدم، بدأوا يفهمون موقفي، وبدأوا يقولون كانت تستحق ما فعلت، أي زوجة تتحمل كل هذا؟. وحتى بعض أقارب شريف، جاءوا لي بسرية واعتذروا عن موقفهم السابق، وقالوا لي إنهم
لم يعرفوا الحقيقة كاملة.
أما شريف، فقد عاد ليعيش مع أمه، واضطر أن يعتمد على راتبه الشخصي البسيط، الذي لم يكن يكفي لتلبية طلباتها المعتادة. بدأت المشاكل تظهر بينهما، وبدأت عزيزة تضغط عليه ليعمل أكثر، أو ليأخذ قروضاً من البنوك، لتحافظ على مستوى الحياة الذي اعتادت عليه، ولم تدرك أن هذا المستوى كان قائماً على جهودي وحدي. وفي إحدى المرات، سمعت من أحد المعارف إنها قالت له پغضب لو كنت قدرت تحافظ عليها، كنا نعيش زي ما كنا، أنت اللي ضيعتها. وعندما سمعت ذلك، لم أشعر بالحقد، بل شعرت بالشفقة عليه، فهو لم يدرك في أي مرحلة أن الحب والاحترام هما أساس الحياة، وليس المال.
نهاية المسرحية وبداية الحكاية
بعد مرور سنة كاملة على تلك الليلة المشؤومة، وقفت في عيادتي الجديدة، وهي أوسع وأجمل من السابقة، ومعي فريق عمل متفاني، ومرضى يأتون من كل مكان، يثقون بي وبعملي. نظرت في المرآة، ورأيت ملامحي أشرق، ونظراتي أقوى، وابتسامتي عادت حقيقية وليست مصطنعة.
تذكرت كلامي لنفسي في تلك الليلة أمام باب البيت أنا ما وقفتش الفلوس بس.. أنا وقفت المسرحية كلها. وفعلاً، انتهت المسرحية التي كنت فيها الممثلة الوحيدة التي تدفع الثمن، والباقي يلعبون أدوارهم بلا ضمير.
لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد، بل بدأت حكاية جديدة، حكاية لامرأة تعلمت أن قيمتها ليست في المبلغ الذي تدفعه، ولا في الهدايا التي تقدمها، بل في كرامتها، واحترامها لنفسها، وعدم قبولها لأي شكل من أشكال الاستغلال، مهما كانت الأسباب.
تعلمت أن الحب الحقيقي لا يطلب تضحية تؤدي إلى فقدان النفس، ولا يعتبر العطاء واجباً لا ينتهي، بل هو توازن بين الأخذ والعطاء، وبين الحقوق والواجبات. وتعلمت أن الصمت الطويل قد يُفهم على أنه ضعف، وأن كلمة لأ في وقتها هي بداية الطريق الصحيح.
واليوم، وأنا أجلس هنا، أنظر لما مررت به، وأقول بكل ثقة لقد كسبت في النهاية. خسړت زواجاً لم يكن له أساس حقيقي، لكنني كسبت نفسي، وكسبت كرامتي، وكسبت الحق في أن أعيش حياتي بالطريقة التي أختارها، لا بالطريقة التي يفرضها عليّ الآخرون.
هذه هي الحكاية، نهاية مسرحية، وبداية حياة جديدة، لامرأة اسمها هالة منصور، قررت في يوم من الأيام أن تقول كفاية، وأن تفتح الباب لحرية لم تعرفها من قبل.

 

تم نسخ الرابط