رواية كامله

موقع أيام نيوز


والممرضين. كل قرش جاني كان بتعب عيني، وبتفكيري، وبمخاطرة كنت أتحملها وحدي. ومع ذلك، كنت أصرف على البيت كله القسط الشهري للشقة، قسط العربية، التأمين الصحي، فواتير الكهرباء والماء والهاتف، وحتى مصاريف حماتي الشخصية اللي كانت تعاملني فيها كأني الخادمة الخاصة اللي جابت لها الحظ.
كل كلمة كانت تقولها، وكل نظرة كانت ترمقني بيها، وكل طلب كان يزيد شهر بعد شهر، كنت أبلعه وأسكت، علشان مصلحة البيت، وعلشان ما يقولوا عليا الزوجة البخيلة اللي ما تحترم أهل جوزها. لحد ما جاءت ليلة الجمعة دي، اللي غيرت كل حاجة.
عزمتنا حماتي على العشاء في بيتها، وكانت المائدة مرتبة، والأطباق فاخرة، كأنها تستعد لشيء معين. بعد ما خلصنا الأكل، ومسحنا أيدينا، زحلقت قدامي كتالوجات ماركات عالمية، ووضعت إصبعها على صفحات معينة معلمة بقلم أحمر، وقالت بصوتها الهادئ المعتاد اللي يخفي وراءه طلباً لا يرفض عايزة 5 آلاف دولار قبل يوم الاثنين بالظبط، يا هالة.
بصيت للصفحات، وقرأت الأسعار المكتوبة تحت كل قطعة، ورفعت عيني لها وسألتها بهدوء وليه الحاجة دي كلها يا أم شريف؟.
ردت عليا بمنتهى البرود والثقة، وكأنها تطلب شيئاً ملكاً لها رايحة رحلة سياحية مع أصحابي لمدة أسبوعين، وعايزة أشتري شوية حاجات جديدة أظهر بيها هناك، مش معقولة أروح بملابس قديمة.
حطيت الشوكة على حافة الطبق ببطء، وشعرت إن الحاجز اللي كنت أبنيه في قلبي لسنوات انهار دفعة واحدة. قلت بصوت واضح ومسموع لأ.
في اللحظة دي، سكتت الغرفة كلها. حتى صوت التيار الكهربائي في الثلاجة بدا واضحاً. شريف نظر لي بدهشة، وقال بسرعة وكأنه ېخاف من رد فعل أمه هالة.. بلاش إحراج، خلي الموضوع يعدي.
بصيت له مباشرة في عينيه، وكررت الكلمة بثقة أكبر لأ يا شريف، مش هعطيها ولا قرش زيادة. ثم وجهت كلامي للكل ومن النهارده، التحويل الشهري اللي كان يروح لها كل شهر، وقف تماماً.
وش حماتي تغير في ثانية واحدة. اختفت ملامح الأرملة الحزينة، والمرأة الغلبانة اللي كانت تظهرها للناس، وظهرت مكانها ملامح امرأة معتادة على الحصول على كل ما تريد، لا تقبل رفضاً أبداً. قامت واقفة، وبدأت تزعق بصوت عالٍ يملأ البيت إنتِ فاكرة نفسك مين؟ تقدري تهينيني في بيتي؟ وتقولي لي لأ؟ إنتِ جاية لابني من ولاية، وكل حاجة عندك بفضله!.
رديت عليها بهدوء تام، وأنا قاعدة في مكاني ما أتحركش أنا مش بهينك، أنا بس بطلت أمول حياتك اللي مش محتاجاها بفلوسي اللي تعبت فيها.
في لحظة ڠضبها، مسكت طبقاً زجاجياً فاخراً ورمته على الأرض، فانكسر إلى قطع صغيرة، وتبعه كأسان آخران رمتهمما بجانبه، وارتفع صوتها وهي تشير بإصبعها ناحيتي إنتِ مديونة ليا بكل حاجة! مديونة ليا إن قبلتك في عائلتي، وإن جوزي وافق يتزوجك! كل قرش تملكيه هو حق لي قبل أي حد!.
لفت بصيت لشريف، وكنت أتمنى لو يقول كلمة واحدة، لو يوقفها، لو يقول لي معك حق، أو حتى خليها نتناقش في البيت. لكنه كان واقفاً في مكانه، يضع يده في جيبه، ساكتاً تماماً، ينظر لي ولأمه بنظرة محايدة، كأنه يشاهد فيلماً لا يعنيه شيئاً.
في اللحظة دي، فهمت الحقيقة كاملة بلا تزويق ولا خداع. فهمت إني كنت بصرف على اتنين، مش واحدة بس. حماتي كانت تاخد الفلوس وتصرفها، وشريف كان يعرف ويسكت، وكلاهما مقتنعين إن فلوسي حق طبيعي لهم، وإن رفضي هو الخېانة والخطيئة.
لم يعد هناك مجال للتفاهم ولا للتراجع. أخذت شنطتي الصغيرة من على الكرسي، واتجهت للباب مباشرة.
 

تم نسخ الرابط