رواية كامله

موقع أيام نيوز

في هدوء ناحية الصندوق الحديد.
كان فاكر إن محدش واخد باله.
مد إيده بسرعة، وخطڤ ورقة من وسط الملفات، وحاول يمزقها.
لكن قبل ما يعمل كده، كنت أنا أقرب واحد ليه.
جريت عليه، ومسكت إيده بكل قوتي، وصړخت
يا باشا... بيقطع الورق!
العساكر جريوا في ثواني، وأمسكوا بجدي.
الضابط أخد الورقة من إيده، وفردها بحذر.
كانت خريطة مرسومة بالقلم، وعليها علامة في مكان بعيد عن أرض الجميزة.
يونس أول ما شافها، اتغير وشه.
وقال بصوت منخفض
لسه موجودة...
الضابط سأله
إيه اللي موجود؟
رد يونس
المعمل.
الناس بصت لبعضها باستغراب.
أي معمل؟
يونس أخد نفسًا عميقًا وقال
المعمل اللي كنت شغال فيه قبل ما أرجع البلد... واللي بسببه بدأت كل الحكاية.
جدي صړخ من بعيد
اخرس... متقولش!
لكن يونس كمل لأول مرة من غير خوف
في المعمل ده... فيه الدليل الحقيقي على براءتي.
ساد الصمت، والكل بقى منتظر يسمع باقي الحقيقة.
أما الضابط، فطوى الخريطة بعناية، وقال
واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش... وبكرة الصبح أول مكان هنروحه هو المكان اللي عليه علامة .
ونظرت إلى عمي يونس، فوجدته يحدق في الخريطة، وكأنه يعرف أن ما سيجدونه هناك سيغير حياة الجميع إلى الأبد... لكن لم يكن أحد يتخيل المفاجأة التي كانت تنتظرهم داخل ذلك المكان الضحكة تكررت مرة تانية، لكنها كانت أقرب المرة دي.
الضابط خبط على الباب الحديد بكل قوته وهو بيزعق
افتح الباب! الشرطة!
لكن مفيش رد...
بس خطوات بتمشي بهدوء فوق السقف، كأن صاحبها واثق إن محدش هيقدر يوصله.
يونس كان واقف مكانه، وشه شاحب، وبيتمتم
أنا عارف الصوت ده... مستحيل أنساه.
سأله الضابط
صوت مين؟
رد بعد لحظة صمت
الدكتور شريف... المشرف على البحث بتاعي في الجامعة.
استغربت وقلت
يعني هو اللي عمل فيك كده؟
يونس هز راسه بالنفي.
لأ... هو الوحيد اللي كان مصدقني.
الضابط عقد حاجبيه وقال
أمال ليه مستخبي؟
وقبل ما يونس يرد، سمعنا صوت الرجل من فوق بيقول
لأن اللي كان بيدور على الحقيقة... كان بېموت.
ساد صمت ثقيل.
بعدها بلحظات، سمعنا صوت تروس بتتحرك، والباب الحديد بدأ يفتح ببطء.
وقف رجل في أواخر الستين من عمره، شعره أبيض، ولابس جلابية بسيطة.
أول ما شاف يونس...
دموعه نزلت.
وقال بصوت مخڼوق
سامحني... يا ابني.
يونس جري عليه من غير تفكير، وحضنه.
فضلوا واقفين ثواني من غير كلام.
ثم قال الرجل
أنا اختفيت لأنهم حاولوا ېقتلوني يوم رفضت أشهد زور ضدك. هربت، وغيرت اسمي، وكنت براقب كل اللي بيحصل من بعيد.
الضابط سأله
مين اللي كان بيهددك؟
الرجل بص ناحية يونس، ثم قال
مش شخص واحد... كانوا مجموعة.
فتح أحد الأدراج في المكتب، وأخرج ملفًا سميكًا ملفوفًا بقماش.
وقال
الملف ده فيه كل الأسماء... وكل واحد اشترك في ظلم يونس أو زور أوراق أو هدد الشهود.
الضابط مد إيده يأخد الملف.
لكن قبل ما يلمسه...
دوى صوت طلقة ڼار من خارج البيت.
الړصاصة اخترقت الشباك، واستقرت في الحائط على بعد سنتيمترات من رأس الرجل.
العساكر انتشروا بسرعة، والضابط صړخ
احموا الجميع!
أما الرجل العجوز، فشد الملف إلى صدره وقال وهو ينظر إلى يونس
واضح إنهم عرفوا إن الحقيقة هتخرج... ولسه مستعدين يعملوا أي حاجة علشان يدفنوها من جديد انطلقت قوة الشرطة خارج البيت، وبعد دقائق من المطاردة، أُلقي القبض على الرجل الذي أطلق الڼار. لم يكن غريبًا عن العائلة، بل كان أحد الأشخاص الذين عملوا قديمًا مع جدي رضوان، وظل طوال السنين يحرس الأسرار مقابل المال.
أخذ الضابط الملف من الدكتور شريف، وبدأ يراجعه. كانت فيه مستندات أصلية تثبت أن يونس لم يكن مريضًا، بل كان ضحېة مؤامرة لإسكاته بعدما رفض التوقيع على بيع أرض العائلة بثمن بخس، وكشف محاولات تزوير في عقود الملكية.
أما التسجيل الذي تركه جدي، فقد كشف أنه ندم على
ما فعله، لكنه
خضع لټهديد شركائه وخاف على بقية أولاده، فاختار الطريق الخطأ... وربط ابنه بالسلاسل بدلًا من أن يحميه.
تم فتح تحقيق رسمي، وأُعيد فحص كل العقود، وثبتت براءة يونس كاملة. وأُلغي كل ما تم تزويره من أوراق، وعادت الأرض إلى أصحابها الشرعيين.
جدي رضوان وقف أمام يونس لأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا، ودموعه بتنزل من غير ما يقدر يرفع عينه.
قال بصوت مكسور
سامحني... ظلمتك، وضيعت عمرك.
يونس سكت طويلًا، ثم قال
السنين اللي راحت مش هترجع... لكن الكراهية كمان مش هترجعها.
مد إيده وساعد أبوه يقف، وسط ذهول كل أهل العزبة.
أما أبويا عبد العزيز، فبكى بحړقة، لأنه اكتشف أنه عاش عمره كله يصدق كڈبة، وشارك من غير قصد في عڈاب أخوه.
بعد شهور، اتشالت الزريبة كلها، واتغرست مكانها حديقة صغيرة فيها شجرة جميزة جديدة.
ويونس رفض يسيب البلد، وقال
أنا هفضل هنا... عشان محدش يتظلم تاني ويسكت.
رجع يقرأ ويكتب من جديد، وفتح فصلًا مجانيًا يعلم فيه أولاد العزبة، وكان أول درس كتبه على السبورة
الجهل أخطر من الجنون... لأن الجاهل قد يحبس البريء وهو يظن أنه يحمي الناس.
أما أنا، أحمد، فكلما مررت بجوار شجرة الجميزة، تذكرت تلك الليلة التي كسرت فيها القفل بقالب طوب.
وقتها كنت أظن أني حررت رجلًا واحدًا...
لكن الحقيقة أنني حررت عائلة كاملة من كڈبة عاشت أكثر من عشرين عامًا.
تمت.

تم نسخ الرابط