رواية كامله
الآن أغلق المكتب مبكرًا كل يوم أربعاء، وآخذ أمي إلى السينما، رغم أنها غالبًا تنام في منتصف الفيلم.
أحيانًا نمر أمام بيوت كبيرة، بنوافذ واسعة وجميلة، فتقول
انظر إلى هذا الضوء الجميل.
أبتسم وأسألها
هل تريدين بيتًا مثله؟
تنظر إلي كأنني قلت شيئًا غريبًا.
لا يا ابني. الضوء ليس في النوافذ.
وكانت محقة.
لفترة طويلة ظننت أن رد الجميل يعني أن أشتري لها بيتًا.
ظننت أن سند ملكية يمكن أن يسدد سهرها، وأن حديقة صغيرة يمكن أن تعوّض ركبتيها المتعبتين، وأن مجموعة مفاتيح يمكن أن تمحو كل مرة ادعت فيها أنها ليست جائعة.
لكن أمي لم تكن تحتاج إلى بيت ضخم.
كانت تحتاج أن تعرف أنه إذا دفعها العالم إلى الرصيف، فإن ابنها لن يمر من أمامها دون أن يراها.
كانت تحتاج أن تعرف أنها ليست حملًا ثقيلًا.
وأنها ليست إزعاجًا.
وأنها ليست شيئًا قديمًا يمكن نقله من مكانه من أجل المال.
تلك
الليلة التي وجدتها فيها في الشارع كسرتني، نعم.
لكنها أيقظتني أيضًا.
لأن الإنسان أحيانًا يعتاد النظر إلى الأمام، فينسى أن يرى من يمشي إلى جانبه. كنت أبني مستقبلًا، وكدت أسمح بإهانة المرأة التي بنت حياتي بيديها.
لا أندم على شراء ذلك البيت.
أندم فقط لأنني ظننت أن ذلك يكفي.
الآن، عندما أفطر مع أمي وأسمعها تغني وهي تسخن الخبز، أفهم أن الوعد الحقيقي لم يكن أن أعطيها جدرانًا.
كان أن أعطيها وجودي.
كان أن أسمع خۏفها قبل أن تخفيه.
كان أن أدافع عنها من دون أن أطلب منها أن تثبت ألمها.
كان أن أنظر إليها وأقول لها بالأفعال
أمي، أنتِ لا تزعجين أحدًا هنا.
في إحدى الأمسيات، بينما كنا نغلق المطبخ، وضعت أمي كيسًا في يدي.
سألتها
ما هذا؟
قالت
دولمة. حضرت لك كمية جيدة.
قلت لها مبتسمًا
أمي، أنا أعيش معك.
قالت
ولهذا السبب. حتى لا تأكل أي شيء خارج البيت.
ضحكنا معًا.
ساعدتها على إنزال باب المحل المعدني. كان لون السماء برتقاليًا. على الرصيف كانت هناك طفلة تنتظر أمها، تحتضن حقيبة مدرسية قديمة. رأتها أمي، فأعطتها قطعة حلوى.
ابتسمت الطفلة كأنها حصلت على كنز.
وهناك فهمت شيئًا.
أمي لم تكن فقيرة لأنها لا تملك المال.
كانت غنية بطريقة لم تفهمها نور أبدًا.
غنية بالكرامة.
غنية بالحنان.
غنية بتلك القوة الصامتة التي تحملها النساء اللواتي يسندن عائلات كاملة، ثم يسألن بعد كل ذلك إن كنّ يزعجن أحدًا.
أمسكت ذراعها، ومشينا باتجاه السيارة.
سألتها
هل أنتِ متعبة؟
قالت
قليلًا.
قلت
لنذهب إلى البيت.
ضغطت على ذراعي.
قالت
نعم يا ابني. لنذهب إلى البيت.
وهذه المرة، عندما قالت البيت، لم تكن تتحدث عن عقار، ولا عن سند ملكية، ولا عن نوافذ كبيرة.
كانت تتحدث عن مكان لا يستطيع أحد أن يطردها منه.
كانت تتحدث عنا.
النهاية