رواية كامله

موقع أيام نيوز

دققت الجرس.
فتحت لي امرأة تبدو في الأربعين من عمرها، شعرها مربوط إلى الخلف، وفي يدها قطعة قماش.
قالت
مساء الخير.
ومن خلفها ظهر رجل يحمل طبق طعام. ثم رأيت طفلًا يركض عبر الصالة.
قلت
عذرًا... أنا أبحث عن السيدة فاطمة حسين.
قطّبت المرأة حاجبيها.
لا توجد هنا أي فاطمة.
شعرت بضړبة قوية في معدتي.
كيف لا توجد هنا؟
اقترب الرجل.
هل تريد شيئًا؟
نظرت إلى الداخل. كان هناك أثاث لا أعرفه. تلفزيون كبير. صناديق. أحذية. وحقيبة مفتوحة.
قلت
هذا بيت أمي.
نظر الرجل والمرأة إلى بعضهما.
قال الرجل
نحن استأجرناه.
سألته
من مَن؟
ساد صمت غير مريح.
قال
من السيدة نور جاسم.
بعدها لم أسمع شيئًا.
الشارع، الأضواء، الأصوات، كل شيء انطفأ داخلي. شعرت كأن أحدًا نزع الأرض من تحت قدمي.
سألت بصوت بالكاد خرج من حلقي
منذ متى أنتم هنا؟
قال الرجل
منذ الثلاثاء.
الثلاثاء.
أمي كانت قد تكلمت معي بطريقة غريبة يوم الثلاثاء.
سألت، رغم أنني كنت أخاف من الإجابة
والمرأة التي كانت تعيش هنا؟
خفضت المرأة نظرها.
عندما وصلنا، كانت هناك سيدة كبيرة في السن تُخرج بعض الأكياس. السيدة نور قالت لنا إنها تعرف بالأمر.
لم أقل شيئًا.
ركبت سيارتي واتصلت بنور.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
لم ترد.
بعدها وصلتني رسالة
أنا مشغولة. نتكلم بعدين.
قرأت الرسالة بهدوء لم يكن هدوءًا. كان رعبًا.
اتصلت بأمي.
لا شيء.
اتصلت مرة أخرى.
لا شيء.
ذهبت أبحث عنها في البيت القديم الذي كانت تستأجره قبل انتقالها. قالت لي الجارة إن أم علي سلّمت المفاتيح الأسبوع الماضي.
قالت
كانت سعيدة جدًا. قالت لي أخيرًا سأرتاح.
شعرت أن شيئًا داخلي انكسر.
ذهبت إلى المستشفيات. سألت في أقسام الطوارئ. أريت صورتها للممرضين والموظفين. لم يرها أحد. مشيت في الشوارع القريبة من البيت الجديد، وفي الأسواق، وعند مواقف الباصات، وبالقرب من المسجد الذي كانت تذهب إليه أحيانًا.
مرت ساعتان.
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف ليلًا وجدتها.
كانت جالسة على الرصيف، تحت سقف صيدلية مغلقة. بجانبها كيس تسوق ممزق، وعلى ساقيها بطانية مطوية، وعيناها تنظران إلى مكان لا وجود له.
لم تكن تبكي.
وهذا كان أسوأ شيء.
أمي، المرأة التي نجت من كل شيء، بدت وكأنها استسلمت لفكرة ألا تكون عبئًا على أحد.
نزلت من السيارة دون أن أغلق الباب.
أمي...
رفعت رأسها.
وعندما رأتني، ابتسمت.
ابتسمت.
كأنني جئت أزورها على مقعد في حديقة، لا كأنني وجدتها في الشارع.
قالت
يا ابني... ظننت أنك ما زلت مسافرًا.
ركعت أمامها.
ماذا تفعلين هنا؟
قالت بهدوء
لا شيء. كنت أرتاح قليلًا.
قلت
أمي.
انكسرت ابتسامتها قليلًا.
لم أكن أريد أن أقلقك.
أمسكت يديها. كانتا باردتين.
ماذا حدث؟
تأخرت في الإجابة. أمي كانت دائمًا تنتقي كلماتها بحذر، حتى وهي تتألم.
قالت
نور جاءت يوم الثلاثاء. جاءت ومعها أشخاص. قالت لي إنهم يحتاجون البيت لفترة، وإن الأمر لمساعدة معارف لها، وإنك موافق.
شعرت أن الډم صعد إلى رأسي.
قالت لك إنني موافق؟
هزت رأسها نعم.
قلت لها إنني أريد أن أتحدث معك، لكنها قالت إنك في اجتماعات، ولا يجوز أن أزعجك. قالت إن كنت أحبك فعلًا، فلن أشغلك بشيء صغير كهذا.
شيء صغير.
أمي تنام في الشارع، وكان هذا بالنسبة لها شيئًا صغيرًا.
سألتها
لماذا لم تتصلي بي؟
مسحت على وجهي.
كنت تعمل يا ابني.
هناك بكيت.
لم أبكِ كرجل بالغ. ولا كرجل أعمال. ولا كزوج.
بكيت كالطفل الذي كان في العاشرة من عمره، ذلك الطفل الذي وعد أمه ذات ليلة أن يشتري لها بيتًا لأنه رآها تعد النقود في مطبخ فقير.
احتضنتها على الرصيف.
سامحيني يا أمي.
قالت
لا يا حبيبي. أنت لم تفعل شيئًا.
قلت وأنا أختنق
بل فعلت. لم أرَ. لم أسأل. لم أصرّ على معرفة الحقيقة.
ضغطت على كتفي.
لا تقل هذا.
أركبتها في السيارة. أخذتها إلى فندق جيد، ليس لأن الفخامة كانت مهمة، بل لأنني أردت أن تنام تلك الليلة على سرير نظيف، دافئ، وآمن. اشتريت لها ملابس، ودواءً لركبتيها، وعشاءً. لكنها بالكاد تذوقت الطعام.
قالت
لست

تم نسخ الرابط