رواية جديدة
المحتويات
تتمتم أنني ناكرة للجميل.
وقف كرار أمام مصطفى.
سألني
هو راح ېموت؟
صوته أضعف شيئًا داخلي.
قلت
لا. هو نائم. لكن تألم كثيرًا.
ابتلع كرار ريقه بصعوبة وقال
أنا ما كنت أريده ېنزف.
قلت له
إذن تذكر هذا. عندما يضحك أحد على طفل يتألم، فهو يؤذيه أيضًا.
أومأ برأسه.
نادت هناء عليه بصړاخ، فركض نحوها. لكنه قبل أن يغادر، نظر مرة أخيرة إلى السيارة الحمراء.
ولم يلمسها.
عند منتصف الليل، أصبح البيت خاليًا من الأصوات.
لم يبقَ سوى الأخصائية الاجتماعية، والشرطي عند الباب، والموثق، وأنا جالسة بجانب مصطفى.
أعطتني الأخصائية رقم متابعة، وشرحت لي أن هناك مقابلات وزيارات وإجراءات حماية ودعمًا نفسيًا. سمعت كل شيء كأنني تحت الماء. أومأت، ووقّعت، واحتضنت ابني.
وعندما غادروا، أغلقت الباب بالمفتاح.
لأول مرة منذ ۏفاة علي، لم أطلب الإذن لأفعل ذلك.
جلست على الأرض، ووضعت الذاكرة الإلكترونية في التلفاز القديم الموجود في الصالة.
ارتجفت الشاشة قليلًا.
ثم ظهر علي.
كان يرتدي قميص الورشة الأزرق، وشعره مبعثر، وعلى وجهه تلك الابتسامة المتعبة التي اشتقت إليها حتى العظم.
تحرك مصطفى قليلًا على الأريكة، لكنه لم يستيقظ.
وضعت يدي على فمي.
قال علي من الشاشة
زينب، إذا كنتِ تشاهدين هذا، فهذا يعني أن شيئًا ما حدث. سامحيني لأنني لم أخبركِ قبل ذلك. كنت أريد أن أحميكِ دون أن أجعلكِ تدخلين في مواجهة مع أمك وأنا مريض.
انكسر صوتي من الداخل.
تابع علي
عندما ماټ والدك، كانت أمينة غارقة بالديون. دفعت ثمن البيت لأنني ظننت أنكِ أنتِ ومصطفى ستكونان بأمان فيه. لكنني كنت أعرف أيضًا كيف كانت تتكلم معكِ. لذلك تركت كل شيء باسم ابننا. ليس غضبًا. بل حبًا.
بكيت بصمت.
أخذ علي نفسًا عميقًا في الفيديو، ثم قال
لا تسمحي لأحد أن يقنعكِ أن قيمتك أقل لأنكِ أحببتِني. ولا تسمحي لابني أن يصدق أنه يجب أن يصغّر نفسه حتى يرتاح الآخرون. هذا البيت ليس جائزة. إنه ملجأ. استخدميه هكذا.
تجمدت الصورة للحظة.
ثم عادت.
قال
وإذا سأل مصطفى يومًا لماذا تركت له بيتًا ولم أترك له أبًا، فقولي له إنني بقيت في الشيء الوحيد الذي استطعت أن أبقى فيه سقف لا يستطيع أحد أن يأخذه منه.
حينها بكيت.
بكيت بكل جسدي.
بكيت على علي، وعلى مصطفى، وعلى البنت التي كنتها، وعلى الابنة التي أرادت أن تُحب، وعلى المرأة التي قبلت بالفتات وهي تظنه بيتًا.
فتح مصطفى عينيه.
قال بصوت ناعس
بابا؟
مسحت وجهي بسرعة.
قلت
نعم يا حبيبي.
جلس ببطء، ما يزال يتألم. رأى الشاشة ومدّ يده كأنه يستطيع لمس أبيه.
ابتسم علي في الفيديو وقال
يا بطل، إذا شاهدت هذا وأنت صغير، اعتنِ بأمك. لكن ليس كأنك رجل كبير. اعتنِ بها بالقبلات، وبالرسومات، وبأسئلتك التي تجعلها تضحك. هي أقوى مما تظن.
بدأ مصطفى يبكي.
احتضنته.
وبقينا نحن الاثنان نشاهد الرجل الذي أحبنا حتى من بعد رحيله.
في اليوم التالي، انتشر الخبر بين العائلة مثل الڼار في سوق مزدحم.
خالات وعمات لم يتصلن بي يومًا بدأن يرسلن لي رسائل.
بعضهن قلن إن عليّ أن أسامح.
وأخريات سألن إن كان صحيحًا أن البيت باسم مصطفى.
لم تسأل واحدة منهن عن أذنه.
حظرت أغلبهن.
في العاشرة صباحًا، جاءت هناء ومعها خالي عبد الرزاق واثنان من أولاد خالتي. كانوا جادين جدًا، كأنهم لجنة تحقيق عائلية.
فتحت الباب والتقرير الطبي في يد، وهاتفي يسجل
في اليد الأخرى.
قلت
أي كلام عندكم قولوه بوضوح.
عدل خالي عقاله وقال
زينب، العائلة ما تنهدم بسبب أوراق.
قلت
لا. تنهدم بسبب الضړب.
قال
أمك موقوفة بسببك.
قلت
أمي تدلي بإفادتها بسبب أفعالها.
كانت عينا هناء منتفختين، لكن فمها بقي قاسيًا.
قالت
أمي قضت الليل في مركز الشرطة. هذا اللي كنتِ تريدينه؟
قلت
كنت أريد مصطفى يقضي ليلة واحدة بلا خوف. وقد فعل.
نظر خالي إلى داخل البيت.
قال
خلينا ندخل. لازم نحكي كعائلة.
قلت
عائلتي
متابعة القراءة