رواية جديدة
المحتويات
انكشف أمره.
وضعت يدها على صدرها وقالت
زينب، يمّه، لا تسمحين لهم. أنا أمك.
هذه الجملة أوقفتني طوال حياتي.
أنا أمك.
كأن ولادتها لي أعطتها الحق في ټدميري.
نظرت إلى مصطفى النائم، إلى وجهه الصغير المنتفخ، وإلى الشاش الصغير على أذنه. كان عمره ست سنوات فقط، وقد تعلّم أن يطلب الإذن حتى يقول الحقيقة.
حينها فهمت أن الأم لا تصبح مقدسة لمجرد أنها أنجبت.
تصبح كذلك عندما تحمي.
قلت
لا. أمي ماټت في مكان ما قبل أن تلمسي ابني.
طلب منها الشرطي أن تأخذ حقيبتها. نظرت أمي حولها، تبحث عن شخص يقف معها.
تظاهر زوج هناء بأنه يتفقد هاتفه.
وهناء لم تتحرك.
أما كرار، فبدأ يبكي بهدوء، مرتبكًا لأن العالم لأول مرة لم يركض لمواساته.
وعندما مرّت أمي بجانبي، اقتربت وهمست
راح تندمين. هذا البيت كبير عليك.
نظرت إليها دون أن أخفض عيني وقلت
ليس أكبر من صمتي.
أخذوها.
وعندما أُغلق الباب، كان صوته كأنه سلسلة انكسرت.
كانت هناء أول من استعاد صوتها.
قالت
زينب، اسمعيني. إحنا متوترين. أمي بالغت، صحيح، بس أنتِ هم بالغتِ. مو معقولة تطردين كل العائلة من البيت بسبب سوء تفاهم.
قلت
لم يكن سوء تفاهم.
قالت
كرار طفل.
قلت
ومصطفى أيضًا طفل.
قطبت وجهها وكأن المقارنة أهانتها.
قالت
لا تخلطين الأمور. كرار مو مسؤول عن حظك السيئ.
وهنا ظهرت الحقيقة القديمة نفسها.
ترمّلي كان حظًا سيئًا. فقري كان عيبًا. ابني كان عبئًا. وهم، الذين كانوا يأكلون الحلوى في صالة بيت مصطفى، كانوا يشعرون أنهم يملكون حتى وجعنا.
جمع الموثق أوراقه، لكنه ترك لي نسخة.
قال
أستاذة زينب، قانونيًا تستطيعين طلب استرداد العقار فورًا باسم القاصر. وتستطيعين أيضًا السماح لبعض الأشخاص بالبقاء وفق شروط. القرار الآن يعود
لك.
تغير وجه هناء.
قالت بصوت ناعم
أختي... لا تتسرعين. فكري بالأطفال.
كدت أضحك.
كانوا دائمًا يطلبون مني أن أفكر بالأطفال عندما لا يكون الطفل المهدد هو طفلي.
اقترب كرار من سيارة اللعب. حملها بحذر ومشى نحو مصطفى، ثم وضعها بجانب يده النائمة.
تمتم
ما كنت أعرف أنها من أبوه.
شدته هناء من ذراعه وقالت
لا تعتذر. أنت ما سويت شي.
خفض الولد رأسه وقال
سويت.
ساد الصمت في الصالة مرة أخرى.
نظر كرار إلى أمه، ثم إلي.
قال
أنا كنت أقول لجدتي إن مصطفى طلع من الغرفة لما ما تكونون موجودين. وهي كانت تصرخ عليه. كنت أظنها لعبة لأن الكل كان يضحك.
وضعت هناء يدها على فمه.
قالت
اسكت.
استدارت الأخصائية الاجتماعية فورًا وقالت
لا تمنعيه من الكلام.
بدأ كرار يبكي فعلًا.
ليس بكاء دلال.
بل بكاء طفل اكتشف للتو أنه استُخدم ليكون قاسيًا.
قال وهو ينتحب
جدتي كانت تقول هذا البيت راح يصير إلي. وكانت تقول إن مصطفى ما عنده أب، وما ينحسب.
شعرت بشيء ثقيل يسقط داخلي.
أمي لم تؤذِ ابني فقط.
بل سمّمت حفيدها المفضل أيضًا.
اختفى اللون من وجه هناء.
قالت
أمي كانت تقول أشياء وهي معصبة، لا أكثر.
قلت
لا. أمي بنت مملكة صغيرة فيها طفل مدلل وطفل مكسور. وأنتِ كنتِ تصفقين لها لأن هذا كان يناسبك.
نهض زوج هناء أخيرًا وقال
زينب، لا نكبر الموضوع. نقدر نتفاهم.
قلت
أنا لم أعد أتفاهم مع ناس شافوا الډم وكملوا أكل الحلوى.
شد فكه وقال
إذن شتريدين؟
نظرت إلى الطاولة، إلى الصحون المتسخة، إلى بقايا الحلوى، إلى ملعقة المرق اليابسة قرب المحضر الرسمي. تذكرت كل مرة طلبت فيها الإذن حتى أغلي الحليب لمصطفى. تذكرت حذاءه المفقود. رسوماته الممزقة. وتلك الأمسيات التي كنت أعود فيها مرهقة من الصالون فأجده هادئًا أكثر من اللازم.
قلت
أريدكم تخرجون الليلة.
صړخت هناء
أنتِ مچنونة!
قلت
تأخذون ملابسكم ووثائقكم فقط. غدًا، وبوجود جرد رسمي، ننظر في بقية الأشياء.
قالت
هذا بيتي أيضًا.
تدخل الموثق وقال
لا، سيدتي. ليس بيتك.
كانت هذه الكلمات الأربع أعدل من كل سنوات توسلي.
بدأت هناء تجمع أغراضها پغضب. حشرت الملابس في أكياس سوداء، وقلبت الأدراج، وهي
متابعة القراءة