قال لي ابني: متى ستغادرين؟ وفي صباح اليوم التالي اشتريت البيت الذي كان يحلم به طوال حياته!
ما رميتَه.
لم يكتب بعدها لأسابيع.
وعندما طلب أخيرًا أن يراني، وافقت أن يكون اللقاء في مكتب هناء.
ليس في بيتي.
ولا في بيت جاسم.
في مكان محايد.
جاء نحيفًا، متعبًا، بعينين غائرتين.
ومن دون زهراء.
قال
نحن نفترق.
لم أرد.
قال
هي تقول إن كل شيء كان فكرتي. وأنا أقول لا. لم أعد أعرف.
قلت
أنا أعرف. أنتما الاثنان رأيتماني كمساحة مشغولة.
انهار.
قال
يمّه، خفت. الديون، البيت، الأطفال، وضغط زهراء. عندما كنتِ تعيشين معنا ظننت أنني... لا أعرف. أنني أستطيع الاعتماد عليك.
قلت
الاعتماد عليّ لا يعني عدّ أموالي.
بكى.
وأنا أيضًا أردت أن أبكي، لكنني لم أبكِ من أجله فقط. بكيت في داخلي على الطفل الذي كانه يومًا، وعلى الابن الذي خسرته من دون جنازة، وعلى جاسم الذي كان سيتألم لو رآنا هكذا.
سألني
تسامحيني؟
نظرت إلى يديّ.
واحد وسبعون عامًا.
تجاعيد.
عروق.
بقع.
يدان طبختا، ورعتا، ودفنتا، ووقّعتا، وقبضتا، واشترتا، ثم انفتحتا أخيرًا لتتركا.
قلت
ليس بعد. لكنني لم أعد أكرهك.
أحيانًا يكون هذا كل ما تستطيع أم أن تمنحه من دون أن ټموت مرة أخرى.
بعد عام، صرت أعيش في شقة مضيئة قريبة من متنزه الزوراء.
ليست ضخمة، لكنها تملك شرفة فيها نباتات وكرسي أتناول عليه الشاي عند الفجر.
علّقت على الجدار صورة جاسم في بغداد.
وتحتها لوحة خشبية صغيرة مكتوب عليها
أمينة التميمي العبيدي.
اسمي الكامل.
اسمي كله.
يأتي حفيداي كل سبت.
لم يعد حسين يسأل إن كان يستطيع فتح الثلاجة.
ونور تجلب رسوماتها إلى بيت جاسم.
أما علي، فهو يخضع لجلسات علاج نفسي، ويسدد ديونه، ويتعلم كيف يتكلم من دون أن يطلب.
زهراء اختفت من حياتي، رغم أنني سمعت أنها حاولت المطالبة بجزء من المال بحجة أنها اعتنت بي عامين.
كان رد هناء رسالة باردة جدًا، حتى إنني لم أعلّقها في إطار من شدة قسۏتها.
آخر ضړبة عدالة جاءت بالصدفة.
البيت الذي كان يعيش فيه علي وزهراء عُرض للبيع بسبب ديونهما.
نفس البيت الذي كان يشبه المجلات.
بيت الخزائن البيضاء والثلاجة الممتلئة بأطعمة وعادات لم تكن تشبهني.
اشتراه شخص بسرعة.
لم أكن أنا.
لم أعد بحاجة إلى شراء أماكن الألم.
لكنني اشتريت، بسعر عادل، شقتي القديمة التي عشت فيها مع جاسم ثلاثين عامًا في بغداد.
كان المطبخ الأصفر ما زال هناك، أكثر تعبًا، لكنه حي.
طلبت ترميم شجيرات الورد، وإصلاح الشرفة.
وعندما دخلت، أصدرت الأرضية صريرًا تحت قدميّ كأنها تعرفني.
وضعت على الطاولة نسخة من الجمل الخمس التي كتبتها تلك الليلة
التزام الصمت.
توكيل محامٍ.
استلام الأموال بسرية.
فصل الممتلكات.
البحث عن منزل.
ثم أضفت جملة سادسة
تذكّر من أكون.
لأن علي ظن أنه عندما سألني متى سأغادر، كان يطردني.
لم يفهم أنه كان يعيد إليّ الدافع.
وزهراء ظنت أنني عجوز تشغل غرفة ضيوف.
لم تفهم أن امرأة تملك خيارات تتوقف عن طلب الإذن حتى لتتنفس.
وعندما عرف الجميع أن البيت الذي حلموا به قد اشترته أمينة التميمي العبيدي، الاسم الذي لم يتعلموه أبدًا لأنهم لم يهتموا بمن كنت قبل أن أخدمهم، كان الوقت قد فات.
أنا لم أشترِ ذلك البيت كي أعاقب.
اشتريته لأحوّل طمعهم إلى ملجأ لنساء أخريات.
ذلك كان جائزتي الحقيقية.
ليس الثلاثة والعشرين مليارًا.
ولا الحسابات.
ولا المفاتيح.
الجائزة كانت أن أجلس في صباح أحد أيام الأحد على شرفة بيتي القديم في بغداد، مع كوب شاي ساخن، وورد جديد، وصوت جاسم في ذاكرتي، وأفهم أن الحادية والسبعين لم تكن عمرًا متأخرًا لأبدأ من جديد.
كانت فقط عمرًا متأخرًا لأواصل التسول من أجل حبٍّ كان يحسبني بالأرقام.