قال لي ابني: متى ستغادرين؟ وفي صباح اليوم التالي اشتريت البيت الذي كان يحلم به طوال حياته!
المحتويات
داخل ملف يخص علي، باسمي، وبياناتي، وتوقيع متدرّب عليه.
توقيعي.
نفس الانحناءة المرتبكة التي تحاول تقليد حرف الألف في اسمي.
وضعتها هناء أمامي.
قالت
أمينة خانم، لا أريد إخافتك. لكنهما لم يكونا يريدان فقط أن تغادري. كانا يريدان ألا تستطيعي اتخاذ أي قرار بعد ذلك.
لم أبكِ.
ليس بعد الآن.
المال لا يجعل القلب قاسيًا.
لكنه أحيانًا يضع له بابًا.
قدمنا بلاغًا.
ليس انتقامًا.
بل حماية.
ولأنني إذا لم أفعل ذلك، ربما كانا سيحاولان شيئًا مشابهًا مع شخص آخر، وربما حتى مع أولادهما عندما يكبرون.
تم استدعاء علي.
وزهراء أيضًا.
قال هو إن كل ما حدث كان بدافع القلق. وإنني متأثرة بمحامية. وإن امرأة في الحادية والسبعين لا يجب أن تتخذ قرارات بمليارات الدنانير وحدها.
عندها قدمت هناء تقييمي الطبي أهلية كاملة، ذاكرة سليمة، واستقلال وظيفي واضح.
وقدمت حساباتي الجديدة.
وقدمت محاولة القرض.
وقدمت مسودة الوكالة.
وقدمت البريد المتعلق بدار الرعاية.
وقدمت رسائل زهراء إلى أختها
إذا خرجت أمينة قريبًا، سأحوّل الغرفة إلى مكتب، ونبيع للناس قصة أننا اعتنينا بها حتى النهاية.
لم يرفع القاضي صوته.
لم يكن بحاجة إلى ذلك.
أصدر إجراءات تمنع علي وزهراء من استخدام بياناتي، أو التواصل معي للضغط عليّ، أو محاولة إجراء أي معاملة باسمي. كما أثبت في المحضر احتمال وجود استغلال مالي بحق امرأة كبيرة في السن.
خرج علي من الجلسة وكتفاه منكسرتان.
وخرجت زهراء وهي تنظر إلى الأرض.
ولا مرة واحدة سألا إن كان بإمكانهما السماح للأطفال برؤيتي.
لكن الأطفال سألوا عني.
لم أتركهم بسبب أخطاء والديهم. وبمساعدة قانونية، وضعنا زيارات واضحة. كنت أراهم في مخبز هادئ في الكرادة صباح كل سبت. نشرب الشوكولاتة الساخنة، ونأكل الكليجة والمعجنات، وكانت نور تخبرني عن المدرسة. أما حسين فكان يسألني عن جاسم، وكأنه يريد أن يعرف الجد الذي لم يلحق أن يسمع صوته.
في أحد أيام السبت، قالت لي نور
ماما تقول إنك سرقتِ بيتنا.
مسحت الشوكولاتة عن طرف فمها.
قلت
لا أحد يستطيع أن يسرق شيئًا اشتراه باسمه وماله.
خفض حسين نظره.
قال
تميمي؟
تفاجأت.
قلت
نعم.
قال
بحثت عنه. كان اسمك قبل الزواج.
امتلأت عيناي بالدموع.
قلت
وكان أيضًا اسم أمي.
عقدت نور حاجبيها الصغيرين.
قالت
ماما ما كانت تقوله صح.
قلت
أعرف.
قالت
أنا راح أتذكره.
في ذلك اليوم فهمت أن جزءًا من عائلتي ما زال يمكن إنقاذه.
بقي بيت الجادرية فارغًا ثلاثة أشهر.
لم أكن أريد أن أنتقل إليه بدافع الڠضب.
كنت أريد أن أعرف ماذا أفعل به من دون أن يكون علي وزهراء مركز قراري.
في صباح أحد الأيام ذهبت إليه وحدي.
كانت الحديقة رطبة.
والأشجار ترمي ظلها على الممر الحجري.
وكان المطبخ واسعًا، كاملًا أكثر من اللازم.
وفي الشرفة مساحة تكفي لطاولة طويلة.
تخيلت زهراء تلتقط الصور.
وتخيلت علي يتفاخر أمام الناس.
ثم تخيلت نساء كبيرات في السن يجلسن هناك، يشربن القهوة من دون أن يطلبن إذنًا من أحد.
وعرفت.
حوّلت البيت إلى مركز نهاري ودعم للنساء الكبيرات في السن اللواتي يعانين من الاستغلال المالي أو الوحدة أو الإهمال العائلي.
ليس عيادة.
وليس مستودعًا للبشر.
بل بيتًا.
فيه دروس مبسطة لإدارة المال، واستشارات قانونية، وجلسات للذاكرة، وبستنة، وموسيقى، وغداء ساخن، وأمسيات حوار.
سميته
بيت جاسم.
لأن زوجي كان يقول دائمًا إن البيت الكبير من دون ناس ليس إلا صدى.
في يوم الافتتاح، استيقظت بغداد على رذاذ خفيف.
حضرت نساء من أحياء مختلفة، وأخصائية اجتماعية، وممرضة، وهناء، وسيدتان فقدتا راتبيهما التقاعديين بسبب أقارب خدومين، وأخرى لم ترَ ابنها منذ العيد، وأرملة بكت عندما رأت المكتبة.
حضر حسين ونور معي.
علي لم يحضر.
وزهراء كذلك.
لكنهما شاهدا الصور على مواقع التواصل.
لم تكن صور رفاهية.
كانت صور نساء يضحكن حول طاولة، ونباتات جديدة، وأطباق شوربة، وجدار كُتبت عليه عبارة
لا يكبر الإنسان ليصبح غير مرئي.
في تلك الليلة كتب لي علي رسالة
أنتِ أهنتِني.
قرأتها مرتين.
ثم أجبت
لا. أنا أريتك
متابعة القراءة