قال لي ابني: متى ستغادرين؟ وفي صباح اليوم التالي اشتريت البيت الذي كان يحلم به طوال حياته!

موقع أيام نيوز

كانت محاميتي، هناء السامرائي، تملك نظرة حادة وهدوءًا قادرًا على جعل الذعر أمرًا لا معنى له.
اجتمعنا عبر مكالمة فيديو، لأنها كانت في مكتب محاماة داخل منطقة المنصور في بغداد، بينما كنت أنا ما زلت جالسة على طاولة المطبخ، تختلط رائحة قهوة زهراء برائحة الإهانة التي تركوها في صدري.
قالت
أمينة خانم، قبل أن تلمسي دينارًا واحدًا، أحتاج منك ثلاثة أشياء سرية تامة، حسابًا مصرفيًا جديدًا لا يستطيع أي فرد من العائلة الوصول إليه، ووصية محدّثة. مع هذا المبلغ، الخطړ لا يأتي من الغرباء فقط. أحيانًا يأتي من الذين يعتقدون أصلًا أن لهم حقًا عليكِ.
نظرت إلى الدرج.
كانت زهراء تتحدث في الهاتف في الطابق العلوي. غالبًا مع أختها، تخبرها أن العجوز فهمت الإشارة أخيرًا.
قلت
ابني يريدني أن أغادر.
لم ترمش هناء.
قالت بهدوء
إذن غادري. لكن لا تغادري كأنك مطرودة. غادري كصاحبة قرارها القادم.
في الساعة الثامنة وأربعين دقيقة، خرجت بحقيبة صغيرة.
لم آخذ أطقم الشراشف التي اشتريتها من راتبي التقاعدي.
لم آخذ إبريق الشاي الذي كان علي يقول إنه يأخذ مساحة بلا فائدة.
ولم آخذ صورة جاسم الموضوعة داخل الإطار، لأن زهراء كانت قد وضعتها قبل أشهر في درج جانبي، بحجة أن الصالة تحتاج ترتيبًا بصريًا أفضل.
نزلت الدرج بحذر.
كان علي في المطبخ، ينظر إلى هاتفه.
سألني من دون أن ينهض
وين رايحة؟
قلت
أفطر.
ظهرت زهراء بثوبها الحريري، وهي تنظر إلى حقيبتي.
قالت
ومعك حقيبة؟
قلت
بعدين أمرّ آخذ أغراضي.
كان الطفلان عند المدخل.
حسين، البالغ من العمر اثني عشر عامًا، لم يقل شيئًا.
أما نور، ذات التسع سنوات، فكانت تحتضن حقيبتها المدرسية.
همست
بيبي... راح ترجعين؟
أجابت زهراء قبلي
أكيد حبيبتي. جدتك بس قاعدة تعمل دراما.
انحنيت أمام نور.
قلت لها
راح أكون بخير. وإنتِ هم راح تكونين بخير.
قبّلت جبينها.
أطلق علي تنهيدة طويلة.
قال
يمّه، لا تصعّبين الموضوع.
نظرت إليه.
طوال عامين جعلت كل شيء سهلًا عليه.
الطعام جاهز.
الأطفال في مواعيدهم.
البيت مرتب.
والأم الأرملة تشغل مساحة صغيرة، تطلب القليل، وتتألم بصمت.
قلت
لا يا علي. الصعب أنتم صنعتوه.
خرجت من دون أن أصفق الباب بقوة.
في سيارة الأجرة، كانت بغداد تستيقظ على عجلتها المعتادة سيارات تزاحم بعضها في الشوارع، باعة يرفعون أبواب محلاتهم، موظفون يحملون أكواب القهوة ويمشون باتجاه أعمالهم، وأشجار متعبة على أطراف الشوارع الواسعة.
كنت أحمل في حقيبتي بطاقة السحب الرابحة، ودفترًا صغيرًا، وبطاقتي الشخصية، وصورة لجاسم في بغداد قرب حديقة الزوراء، يبتسم وهو يرتدي وشاحًا غريبًا كنت ما زلت أشعر بملمسه بين أصابعي.
همست
ما تركتني وحدي.
عند الساعة التاسعة والنصف، كنت جالسة أمام هناء.
وعند العاشرة والربع، أصبح لدينا خطة.
وعند الحادية عشرة، دخلنا فرعًا مصرفيًا كبيرًا مع مدير كان يعاملني وكأنني قطعة زجاج.
لم أصرخ عندما أكدوا الجائزة.
ولم أبكِ عندما وقّعت.
ولم أرتجف عندما نطقوا الرقم كاملًا، بكل تلك الأصفار المصطفة مثل الجنود.
ثلاثة وعشرون مليار دينار عراقي.
حياتي كلها، مضړوبة في مستحيل.
طلبت هناء سرية تامة، وضوابط مصرفية، واستشارة ضريبية، وحظرًا وقائيًا لأي وصول من طرف ثالث. وشرحت لي ما لم أكن أعرفه أن امرأة كبيرة في السن حصلت فجأة على مال ضخم يجب أن تحمي نفسها ليس فقط من المحتالين، بل من مساعدات الأقارب، والوكالات الواسعة، والقروض المتخفية، والتواقيع المستعجلة.
سألتني
هل يعرف أحد كلمات مرورك؟
قلت
علي نزّل تطبيق المصرف على هاتفي. قال حتى يساعدني.
أغمضت هناء عينيها لثانية.
ثم قالت
نغيّر كل شيء اليوم.
في اليوم نفسه فتحت حسابات جديدة.
ألغيت البطاقات القديمة.
أبطلنا أي صلاحيات سابقة.
راجعنا راتبي التقاعدي، ووثيقة التأمين، واستثماراتي الصغيرة، وأوراق بيع بيتي القديم في بغداد.
وهناك ظهرت أول چرح عليه ختم رسمي.
كان علي قد استخدم نسخة من هويتي لطلب دراسة قرض باسمي.
لم يصل إلى مرحلة التوقيع، لكنه حاول

تم نسخ الرابط