البنت الصغيرة
رقم 9.
لكن قبل أن يتحرك خطوة...
سمعوا صوتًا قادمًا من داخل القصر.
صوت بيانو.
هادئ.
وواضح.
رغم أن القصر مهجور من سنين.
الجميع تبادل النظرات.
وفؤاد همس
إحنا سايبين المكان من ساعة...
سليم أكمل الجملة
وماكانش فيه حد هنا.
لكن صوت البيانو استمر.
لحن قديم جدًا.
لحن كان والد سليم يعزفه دائمًا في طفولته.
وهنا شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
لأن ده معناه شيء واحد فقط...
أن شخصًا ما وصل إلى القصر قبلهم.
وشخصًا يعرف أسرار والده أكثر مما كانوا يتخيلون سليم وقف في مكانه وهو سامع نغمات البيانو تتردد داخل القصر القديم.
اللحن نفسه.
اللحن اللي كان أبوه يعزفه كل ليلة تقريبًا.
بص لفؤاد وكريم وليلى.
وبعدين قال
مهما كان اللي جوه... الليلة لازم تنتهي.
دخلوا القصر بحذر.
الصوت كان جاي من الصالة الكبيرة.
وكل ما يقربوا، الموسيقى كانت أوضح.
لحد ما وصلوا.
وفجأة...
النغمات وقفت.
الصالة كانت فاضية.
مفيش حد.
ولا أثر لأي شخص.
لكن فوق البيانو كان فيه مفتاح صغير نحاسي.
وعليه ورقة مكتوب فيها
الخزانة رقم 9 تنتظرك.
سليم أخد المفتاح وطلع بسرعة للدور العلوي.
كان فاكر المكان كويس رغم السنين.
وصل لممر طويل.
وفي آخره باب حديدي قديم.
عليه رقم 9.
دخل المفتاح.
لفه.
وصوت القفل اتفتح ببطء.
لما فتح الباب...
لقى غرفة صغيرة جدًا.
مفيهاش كنوز.
ولا أموال.
ولا أسرار سياسية.
كان فيها مكتب خشب قديم.
وفوقه جهاز تسجيل.
وعدة دفاتر.
وصورة كبيرة لوالده.
سليم شغل جهاز التسجيل.
وفجأة خرج صوت أبوه
يا سليم... لو أنت سامعني دلوقتي، يبقى أنا مش موجود.
سليم حس بعينيه تلمع.
وصوت أبوه كمل
قضيت عمري أبني نفوذ ومال وعلاقات، لكن أكبر غلطة عملتها إني أهملت الناس اللي محتاجة حد يسمعها.
زمان قابلت طفلة يتيمة فقدت أهلها، ووعدت نفسي أعمل مؤسسة تساعد الأطفال اللي زيها.
لكن المړض سبقني.
سليم بص لليلى.
وقلبه انقبض.
الصوت أكمل
الدفاتر اللي قدامك فيها كل ثروتي الحقيقية.
فتح سليم الدفاتر.
فلقى مشروعات خيرية.
ومدارس.
ومستشفيات.
وصناديق دعم للأيتام والأسر المحتاجة.
مليارات الجنيهات كانت متخصصة للمشروعات دي.
لكن التنفيذ ما بدأش أبدًا.
وصوت والده تابع
يا ابني... القوة الحقيقية مش إن الناس تخاف منك.
القوة إن وجودك يخلي حياتهم أفضل.
ولو وصلت للغرفة دي، يبقى أوصيك تكمل اللي مقدرتش أكمله.
انتهى التسجيل.
والغرفة كلها ڠرقت في صمت مؤثر.
حتى كريم كانت عينه مليانة دموع.
وقال بهدوء
أبوك كان بيحاول يعمل الخير في آخر أيامه.
فؤاد ابتسم لأول مرة من ساعات.
أما ليلى فكانت واقفة تبص للدفاتر.
وسألت
يعني الأطفال اللي زيي هيبقى ليهم مكان؟
سليم نزل على ركبته قدامها.
وقال
مش مكان واحد.
هيبقى ليهم مستقبل كامل.
بعد أسابيع...
اختفت أخبار المؤامرات والصراعات من حياة سليم.
واستخدم كل نفوذه وثروته في تنفيذ وصية والده.
اتفتحت مدارس جديدة.
ودور رعاية حديثة.
ومراكز تدريب للشباب.
وكان أول مشروع اتبنى...
حمل اسم دار ليلى.
تكريمًا للبنت الصغيرة اللي أنقذت حياته في ليلة كان ممكن تكون الأخيرة.
أما كريم...
فأصبح مسؤولًا عن إدارة المشروعات الخيرية.
وفؤاد ظل بجانب سليم كما كان دائمًا.
وفي يوم الافتتاح الكبير...
وقفت ليلى على المسرح قدام مئات الأطفال.
وقالت بابتسامة
زمان كنت فاكرة إني لوحدي.
لكن اتعلمت إن الخير الصغير ممكن يغيّر حياة ناس كتير.
سليم كان واقف في الصف الأول.
وبص لصورة والده المعلقة على الحائط.
وافتكر كلماته الأخيرة
القوة الحقيقية مش إن الناس تخاف منك... القوة إن وجودك يخلي حياتهم أفضل.
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وعرف إن الرحلة كلها، بكل أسرارها ومخاطرها، كانت عشان توصله للحقيقة دي.
تمت.