انا وبنتى حكايات ليان

موقع أيام نيوز

كانت عمياء، وإنها خجلانة مني ومن نفسها.
وما رجعتش زي ما كانت.
بدأت تجيلي بيتي. تجلس معايا في المطبخ، تساعدني في الطبخ، تسألني عن حكايات زمان. مرة جابت معاها الفطير اللي أنا علمتها تعمله، وقعدنا نأكل على السفرة القديمة.
وفي يوم من الأيام، دخلت عليها المطبخ ولقيتها بتغسل الصحون وبتعيط. لما شافتني مسحت دموعها وقالتلي بصدق
كنت فاكرة إن العظمة والفلوس والشكل ده هو اللي يجعلك إنسانة محترمة. واكتشفت إن اللي يجعلك إنسانة حقيقية هو اللي تعمله لغيرك من غير ما تنتظر مقابل. وأنتِ عملتي كل ده وأنا ما استاهلتوش.
ما رجعتش البنت الصغيرة بالظبط لأننا كبرنا والزمان أخذ حكمه لكن رجعت بنتي. الإنسانة اللي عرفت قيمتي وقيمة نفسها.
وبعد فترة، سألتني
يا ماما، سامحتيني؟
بصتلها وابتسمت ابتسامة دافية زي زمان وقلتلها
القلب اللي بيحب ما بيعرفش يحقد. بس اللي حصل بينا علمنا حاجة مهمة.
إيه؟
إن الحب مش بس كلام . الحب كمان احترام. وتقدير. وإنك تشوفي اللي قدامك مهما كان شكله أو مستواه.
واليوم، أنا لسه بشتغل وبعيش، وبنتي بتجيني كل جمعة. أحياناً بنتكلم كتير، وأحياناً بنجلس ساكتين بس نحسّ ببعض. وما نسيتش امبارح الحمام أبداً، لكنه بقى ذكرى علّمتنا الاتنين إن أغلى حاجة في الدنيا مش الشقة الفخمة ولا حمام السباحة. أغلى حاجة هي العلاقة اللي بين الأم وبنتها، وإنك مهما وصلتي لفوق، لازم تفضلي عارفة إنتِ جاية منين.
ذات يوم قعدنا جنب بعض في الشرفة بتاعة بيتي، وهي بصتلي وقالتلي بصوت هادئ مليان دموع الندم والحب
عايزة أعوضك.
مسكت إيدها وقولتلها
ما تعوضيش يا حبيبتي. بس كوني بنتي
اللي أعرفها. وكل ما تكبري وتشوفي الدنيا، افتكري إن في حدّ كان بيدفع كل حاجة عشان تضحكي.
وهي حطت راسها على كتفي زي زمان، وقالتلي الكلمة اللي استنيتها سنين
أنا فخورة بيكي يا ماما. وأنتِ فعلاً بطلة حياتي.
وكان الكلام ده أحسن تمن دفعته في حياتي.
لأن الحب مهما اتأخر ومهما اتجرح، بيرجع في النهاية لبيته. وبيت الأم قلبها، وبيت البنت في حضنها. وما فيش قوة في الدنيا تقدر تفرقهم طالما الحب والاحترام موجودين.
والدنيا علمتني درسين إن الټضحية بتظل جميلة مهما كانت قاسېة، وإن الناس مهما ابتعدوا واتغيروا، في يوم بيرجعوا للي يحبهم بصدق.
وكان الحمد لله في نهاية الحكاية... رجعت لي بنتي. ورجعت لي نفسي. واتعلمنا إن الحب الحقيقي بيصمد قدام كل حاجة، حتى قدام الغفلة والكبرياء والزمان الطويل.

تم نسخ الرابط