انا وبنتى حكايات ليان

موقع أيام نيوز

ونرجع زي زمان.
كان المفروض يبقى يوم صيفي عادي.
لكن بدل كده، بقى اليوم اللي قلبي أخيرًا صدّق فيه الحقيقة اللي عقلي قضى سنين بيحاول ينكرها ويداريها ورا أعذار واهية.
وبالليل، كنت قاعدة لوحدي جوه عربيتي البيوك القديمة اللي ما بتبيعهاش عشان فيها ذكريات جوزي، وفستاني لسه مبلول من الميه وبيلتصق بجسمي، وبعيط بطريقة ماعيطتش بيها من ليلة ما دفنت جوزي ليلة كنت فيها حاسة إن الدنيا ضاعت، لكنني كنت عارفة إن لسه عندي سبب أعيش. واليوم ده، حسّت إن السبب ده راح.
عيطت بصوت مكتوم عشان ماحسش بيها حد، ودموعي نزلت سخنة على خديّ، ومزجت مع ميه حمام السباحة اللي غسلتنيش من العاړ اللي حطّته فيّ.
بس في حمام السباحة، وأنا محاطة بناس غرب بيضحكوا عليا كأني مسخّر لهم، حاجة جوايا اتغيرت. قلبي اللي كان طري وطاوعها في كل حاجة، قسى شوية. ما ماتش، لكنه صحي.
اللي اتكسر مش كرامتي.
ولا حتى كبريائي.
اللي اتكسر كان آخر أمل ضعيف جوايا... أمل إن الست اللي واقفة فوق راسي دي، لسه جواها البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتلف دراعاتها حوالين رجلي وتشدني عشان أحملها، وتبصلي بكل فخر في الدنيا وتقول بكل ثقة
ماما، إنتِ بطلة حياتي.
الناس اللي كانوا بيضحكوا عليا ماكانوش يعرفوا أنا مين. مايعرفوش تاريخي، مايعرفوش كم دفعت عشان تشوفها في المكان ده. ويمكن بعد كل السنين دي... بنتي نفسها ماعادتش تعرفني. شافتني بس كأم قديمة، بسيطة، مفيش منها فايدة، حاجة تزعجها وتخجل منها.
هم شافوا أم كبيرة في السن مستعدة تستحمل أي إهانة، أي تجريح، وفي الآخر تسامح وتضحك وتقول دي بنتي وحبيبة قلبي.
لكنهم ماشفوش الست اللي قضت عشرات السنين وهي بتحوّل المستحيل لحاجة ممكنة. الست اللي
كانت بتخلي المستحيل يطيع عشان عيونها.
أنا اتربيت في فقر.
الفقر من النوع اللي بيلتصق بجلدك، اللي بيفضل ساكن جواك حتى بعد ما تتحسن أحوالك وتنسى نفسك. فاكرة دواليب المطبخ في بيتنا القديم وهي فاضية لدرجة إن صوتها كان بيرجع صدى لما أفتحها مافيش سكر، ولا زيت، ولا خبز، ولا حاجة.
فاكرة إني كنت بحط قطع كرتون جوه الجزمة القديمة عشان الميه ما تغرقش الشراب وأنا ماشية أمشي كيلومترات للمدرسة في مطر الشتاء، ورجلي بتتجمد.
وفاكرة إني كنت أعمل نفسي مش جعانة، لأن الاعتراف إن مفيش أكل في البيت كان بيوجع أكتر من الجوع نفسه. كنت أقول لامّي أكلت قبل ما أجيلك وقلبي بيتقطع عشان ما أحسسهاش بذنب.
محدش اداني حاجة ببلاش في حياتي.
لا أمان.
ولا فرصة.
ولا حتى راحة بال يوم واحد.
كل حاجة أخذتها خدتها بتعب وعرق وسهر ليالي طويلة.
وعشان كده، لما بقيت أم، وعدت نفسي بحاجة واحدة
بنتي عمرها ما هتعيش الحياة دي طول ما أنا أقدر أمنع ده. عمري ما هخليها تحس بالجوع، ولا بالخۏف، ولا إنها محتاجة حاجة ومفيش فلوس. حطيت هدف حياتي كلها بين عينيا أرفعها فوقي، أديها كل اللي ما أخدتهوش أنا.
كنت بنضف مكاتب الشركات قبل الفجر لما الدنيا لسه بتشوف سواد الليل، وأشتغل في مطاعم لحد ما رجلي توجعني وتورم من كتر الوقوف، وأرص البضاعة في السوبر ماركت لحد آخر الليل وعينيا بتغمض من التعب.
كنت بعيش على بواقي أكل باردة من المطعم سندوتش جبنة شايلاه معايا ونوم قليل على الكنبة عشان ما أضيع وقت، وإيمان عميق إن كل تضحية بعملها النهارده بتبني لها حياة أحسن بكرة.
لما الفلوس كانت تخلص في نهاية الشهر، كنت بمشي للشغل على رجلي مسافات طويلة عشان هي تاخد التاكسي أو
تم نسخ الرابط