انا وبنتى حكايات ليان
المحتويات
تركب أتوبيس المدرسة المريح وما تتعبش.
لما كانت تحتاج كتب أو ملابس أو حاجات للمدرسة، كنت أحرم نفسي من كل حاجة حتى الدواء عشان أجمع المبلغ.
لما كانت تمرض في صغرها، كنت أفضل جنب سريرها لحد الصبح أعدّ أنفاسها وأخاف تغيب عني، وأمسح عرقها بمنشفة، وأدعّي ربنا ياخدني مكانها لو محتاجة.
ولما جالها قبول الجامعة اليوم اللي فرحت فيه أكتر من أي يوم في حياتي وقعت على أوراق القروض وإيدي بتترعش من الخۏف والمسؤولية، وقولت مش مهم، أسددها قرش قرش، المهم بنتي تتعلم وتكمل.
ومرة، حتى بعت الإسورة الدهب الرقيقة اللي جوزي كان جابهالي في ذكرى جوازنا الخامسة أغلى ما أملك وآخر حاجة بقيت معاه منو عشان بنتي كانت محتاجة فلوس عشان رحلة دراسية وقالتلي مهمة جداً يا ماما ومستقبلي بيعتمد عليها. بعتتها ورجعت لها الفلوس وما قلتلها كلمة واحدة عن اللي عملته.
ومرة واحدة ما ندمت.
لأني كنت مصدقة إنها هتفتكر.
كنت مصدقة إنها هتفتكر الليالي اللي كنت بسيب فيها عشايا عشان هي تاخد طبق تاني وتشبع.
كيكات أعياد الميلاد اللي كنت بعملها بإيدي من الدقيق والسكر والزبدة، وأزينها بأسمها بخط اليد.
فستان الحفلة المستعمل اللي اشتريته بثمن بخس وقعدت أعدله وأخيطه وأكويه لحد ما شكله بقى كأنه جديد من المحل الغالي.
ومشاوير الجامعة الطويلة، وأنا بسوق عربيتي البيوك القديمة والشنط والهدوم والملابس ماليين شنطة العربية وكرسيها الخلفي، وأنا فرحانة إن رايحة أجيب بنتي.
كنت متخيلة إنها في يوم تكبر وتعرف قيمة الحاجات، وتقول لصحباتها بكل فخر
أمي ادتني كل حاجة كانت تملكها، وحرمت نفسها عشان أنا أعيش.
لكن البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتجري نحوي ، بدأت واحدة واحدة تتحول لشخص أنا بالكاد عرفته.
الجامعة غيرتها.
النجاح غيرها.
الفلوس والأصدقاء الجدد والبيئة الغالية غيرتها.
أو يمكن الحاجات دي بس كشفتلي الحقيقة اللي كنت خاېفة أشوفها وكنت بداريها ورا قلبي الطيب إن الجمال والنعيم ممكن ينسّوا الإنسان أصله.
بقت تصححلي طريقة كلامي قدام الناس كأنها عيب أتكلم زي ما أنا عايشة.
وتتنهد بضيق لما أسألها سؤال بسيط عن يومها أو دراستها.
وتبان عليها الكسوف والخجل لما أظهر قدام أصحابها بملابسي البسيطة.
وفي أوقات كتير، كانت بتبصلي بنظرة غريبة كأني صورة قديمة من حياة نفسها عايزة تمسحها وتنساها.
ومع كده، كنت بدافع عنها في نفسي وفي قدام الناس. كنت أقول
أصلها مشغولة والدراسة بتاخد كل وقتها.
مضغوطة وهتتعدل لما تخلص.
دي لسه صغيرة وهتتغير وتفهم.
وكل يوم استنيتها تتغير.
بعد ما حققت حلمها واشتغلت الشغلانة اللي كانت نفسها فيها وظيفة مرموقة براتب كبير نقلت لشقة فخمة في كومباوند فيه حمام سباحة شبه المنتجعات، وجيم لامع، ومدخل ريحته كلها شموع غالية وعطر.
ومن وقتها، بقيت أشوف بنتي أقل وأقل.
أدعوني وألغي الموعد في اللحظة الأخيرة. أتصل بيها وترد عليّ بعد أيام. أسألها أجي أزورك تقولي لي مشغولة دلوقتي، أتصل بيكِ.
وأشوف أكتر الغريبة اللي اتحولت لها.
ومع ذلك، كل دعوة منها كانت بتملاني أمل من جديد. أفرح بيها كأنها عيد، وأجهز نفسي وأروح، وقلبي بيقفز من الفرحة.
يمكن المرة دي تبتسم لما تشوفني من غير ما أطلب.
يمكن المرة من قلبها مش عشان أصحابها يشوفوا.
يمكن المرة دي أخيرًا تقول الكلمة اللي استنيتها سنين
أنا مبسوطة إنك هنا يا ماما.
حتى بعد كل اللي حصل التصحيح، التنهد، النظرات فضلت مستنية بنتي الصغيرة ترجعلي.
لحد اليوم اللي زقتني فيه في حمام السباحة.
وساعتها، وأنا في الميه الباردة وكلهم بيضحكوا، فهمت أخيرًا إن ساعات الشخص اللي بتفضل مستنيه يرجعلك... بيكون خلاص مش راجع.
إن الزمان والمكان والفلوس خدوه منك، وهو راضٍ ومش
متابعة القراءة