رواية كامله

موقع أيام نيوز

لي كل حاجة.
لون وشه اتغير فجأة، والابتسامة اللي كانت على وشه ماټت بسرعة، وبدلها ظهرت نظرة باردة وقاسېة ما كنتش أتخيلها عليه يومًا. حاول يتكلم لكن رجال الشرطة كانت قدامه بسرعة، ومسكوه من دراعيه. لما حس إنه مفيش مهرب، بص لي وقال بصوت خشن ومليان حقد
هي اللي غلطانة... كانت بتعاندني ومش عايزة تفهم حاجة. كل حاجة كان لازم تتم زي ما أنا عايزها.
لم يكمل كلامه، فكبّلوه وخرجوه برة البيت. وبقيت أنا والضباط واقفين قدام حمام السباحة. الميه كانت لسه عكرة وخضراء، والأكياس السودة ظاهرة بالكاد تحت السطح. جابوا الغواصين، وفضلت واقف مكاني مع مايا اللي وريتها عن المكان ده كله، وكنت سامع الأصوات والحركة حواليا وما حاسس بحاجة.
سحبوا الأكياس واحدة ورا واحدة. تلاتة أكياس كبار. الأول كان فيه ملابس وحاجات شخصيةكان بيحاول يخفي الأدلة. والتاني... والتالت. لما طلعوها، سمعت كلام الضباط ورأسي بدأت تدوّر. داليا كانت في الكيس التالت.
ماټت في الحال، زي ما قالوا لي بعد كده. خنقها بعد ما خناقهم اشتد، وما قدرش يسيطر على نفسه، وبعدين حاول يخفيها ويدفن الحكاية كلها تحت الميه، ورا جدران عالية وقفص حديد وكذبة كبيرة اسمها سافرت.
مرت الأيام ببطء تقيل، كل يوم بيعدّي زي سنة كاملة. نقلت مايا تعيش معايا، وبدأت أرتب حياتنا من أول وجديد. البيت اللي كان لداليا وكمال اتقفل وماتفتحش تاني، وحمام السباحة ده طار من بالي بالكامل، وكنت أدعي إني ما أشوفه تاني طول عمري.
كمال اعترف بكل حاجة، والمحكمة حكمت عليه بالسجن مدى الحياة. لما سمعت الحكم، ما حسّش بانتصار ولا بفرحةحسيت بۏجع بس، وفراغ كبير ما حدش يقدر يملّيه. مهما كانت العقۏبة، داليا مش هترجع تاني. والچرح اللي في قلب مايا مش هيلتئم بسهولة.
كنت بحاول كل يوم أكون أب كويس ليها، أعوضها عن كل اللي شافته وكل اللي خسرته. كنت أصحّيها الصبح، أودّيها المدرسة، أجيبها، نجلس مع بعض، نحكي، نلعب، نحاول نعيش حياة طبيعية. لكن في ليالي كتير كنت بدخل عليها الأوضة بالليل لقيها صاحية وبتبص للسقف، ودموعها تنزل بلا صوت.
يومًا قعدت جنبها على السرير ومسكت يدها
مايا... عايزة تتكلمي؟ عن أي حاجة؟ أنا سامعك.
فكّرت شوية، وبعدين بصت لي وقالت
يا بابا... هل كنت أقدر أنقذها؟ لو كنت صړخت أوي، أو ركضت لبرة من البدرة، كانت عاشت؟
قلبي اتقطع لما سمعتها. ضميتها لصدري بقوة وقلت لها
لا يا حبيبتي. اللي حصل ده مش ذنبك أبدًا. أنتِ كنتِ طفلة ومحدش يقدر يلومك على حاجة عملتها ولا ما عملتهاش. الذنب ذنب واحد بساللي عمل كده. وماما كانت عارفة إنك شجاعة وطيبة، وكل ما كانت تتمناه إنك تفضي بأمان.
بكت كتير في حضڼي تلك الليلة، وكل ما بكت كنت بدعي من جوايا ربنا يقدرني أحمّيها واشيل عنها الۏجع ده.
مدام رباب كانت معانا طول الوقت، ما تركتناش أبدًا. كانت تجي كل يوم، تطبخ لنا، تجلس مع مايا، وتحكي لها حكايات، وتعاملها زي حفيدتها بالظبط. قالت لي مرة
الطفلة دي محتاجة حب وحنان كتير، ومش محتاجة نعيشها في الحزن طول الوقت. لازم نخرجها من الحالة دي شويّة شويّة.
وفعلاً، بدأت نخرج مع بعضنروح الحدائق، السينما، نزور الأقارب، نعمل حاجات جديدة. وكل فترة كانت بتعدّي، كنت بشوف ابتسامتها ترجع شويّة شويّة. كانت بتسأل عن ماما كتير، وكنت جاوبها بصدق من غير ما أخوفها، أقول لها إن ماما كانت بنت طيبة وإنها بتحبها أكتر من أي حاجة في الدنيا، وإنها معانا دايماً
في قلوبنا.
بعد سنة ونص تقريبًا، في يوم ربيعي جميل، أخذتها معايا ورحنا نزور قبر داليا. خليتها تحطّ ورد، وقعدنا جنبها شوية. قالت مايا بصوت هادئ
ماما كانت بتقول إن الورد بيفرح الناس اللي في السماء. قلت لها
أيوه يا روحي، صدقتي.
بصت لي وقالت
يا بابا... الحمد لله إني معاك. والحمد لله إنك جيت في اليوم ده.
ضميتها وقولت
أنا اللي لازم أشكر ربنا عليكِ. وأنا وعد منّي ليكِ، عمري ما هسمح لأي حد يأذيكي تاني. هنعيش حياتنا، ونكبر مع بعض، وكل حاجة هتبقى تمام.
قامت وقفت قدامي، ورفعت إيدها الصغيرة ومسحت دمعة نزلت على خدّي، وابتسمت ليابتسامة صافية وجميلة زي ما كانت بتعمل قبل كل ده
عشان كده أنا بحبك يا بابا. أنتَ نصيبي من الدنيا الحلوة.
مشيت جنبها ونحن راجعين للبيت، وشمس النهار بتضحك لنا، وقلبي وإن كان لسه مجروح، لكنه بدأ يتنفس من جديد. الأكياس السودة اللي تحت الميه كانت رمز لكل ظلمة وشړ ممكن يختبئ جوه حياة الناس، لكن مايا كانت النور اللي بيخرجني من الظلمة دي.
عرفت في تلك اللحظة إن الرحلة طويلة، والچرح هيبقى معانا طول العمر، لكن الحب والأمان والصدقدول اللي بينتصر في الآخر. مش بالقوة ولا بالمال، لكن بإنك تكون موجود للي بتحبهم، وإنك ما تستسلمش مهما كانت الدنيا قاسېة.
وعدت نفسي يومها مهما حصل، هفضل جنبها. هكبرها، وأحميها، وأعلمها إن الدنيا فيها شړ لكن فيها خير كتير كمان، وإن اللي بيحبوك هم اللي بيصنعوا الأمان الحقيقي. وكل ما تفتكر اللي حصل، هقول لها
إحنا مع
بعض، وما فيش حاجة تقدر علينا.
وصدقتني. وصدقت هي كمان. والحياة استمرتليس كما كنت أتمنى، لكنها استمرت، وفيها أمل. وأمل ده كان كفاية لينا نكمل الطريق.

تم نسخ الرابط