رواية كامله
المحتويات
ويبدأ من جديد، وقال بصوت خاڤت
مش هينفع الكلام ده هنا. الناس بتتفرج. تعالوا نروح مكان هادي نتكلم فيه. اتفقنا؟
وصلنا لشقة سلوى في حيّ هادي قريب من البحر، وشقة أنيقة ومرتبة، وريحة عطرها بتملّ المكان ريحة لطيفة، مختلفة عن ريحة البيت اللي كنت عايشاه مع كريم. جلست أنا على كنبة، وآدم قعد جنبي ومسك إيديّ بكل قوته، وكأنه بيحميني من أي حاجة ممكن تيجي علينا. هو كريم وقف قريب من الشباك، وظهره لينا، ويده في جيوبه، وسلوى قعدت على كرسي قدامنا، بيننا وبينه مسافة طويلة مليانة بالأسئلة والشكوك.
سكتنا دقائق كأنّ كل واحد فينا بيجمع شتات نفسه. أنا كنت مستعدّة لأي حاجة إلا الصدمة اللي جاية. أخيراً هو الټفت ببطء، وبصّ لينا كلنا بنظرة مليانة حزن ما شفتوش في حياتي، وبدأ يتكلم بصوت هادي بس كل كلمة بتقطع القلب
الحقيقة تقيلة أوي وكنت فاكر إن هفضل أخفيها لآخر يوم في عمري. كنت فاكر إنّي قدرت أبدأ من جديد. إنّي قدرت أكون شخص تاني. بس لما شفتك يا سارة وشفت آدم عرفت إن ما فيش بداية جديدة. الماضي بيجرّك وراه مهما بعدت.
سكت شويّة، ولعق شفتيه اللي جفت، وكمل
أنا كريم. اسمي كريم. وما نسيتكمش يوماً واحداً.
دموعه نزلت أخيراً، واختفى وراها كل حاجة كنت خاېفة منها، وظهرت الحقيقة عاړية تماماً. حكى لنا كل حاجة كيف رحلة الصيد اتقلب، وكيف الموج أخده بعيداً عن المركب، وكيف كان مستسلم للمۏت، وكيف قارب صيد تاني لقيه بعد يومين غرقان وما معاهش ذاكرة، ما عرفش هو مين ولا منين جاي.
عشت في مستشفى شهور وأنا مش عارف اسمي إيه، مش عارف لي أهل ولا لا، قال. وكنت حاسس بفراغ جوايا، بفراغ رهيب، كأنّي فقدت جزء من روحي. كنت بحسّ إن فيه ناس بحبّهم ومش عارفينهم، وإن فيه بيت مستنّاني ومش عارف مكانه. بعدين قابلت سلوى هي اللي وقفت جنبي، هي اللي ساعدتني أبدأ حياة جديدة. ولما بدأت الذاكرة ترجع لي قطعة قطعة، صور وأصوات ومشاعر كنت خاېف أصدّقها. كنت خاېف أتأكد. لأنّي كنت عايش معاها حياة مستقرة وهادية، وكنت عارف إن الحقيقة هتكسّر كل حاجة. وهتوجع كل واحد فينا.
سلوى كانت بټعيط بصمت، كتفها بيتحرك مع كل شهقة، وقالت بصوت بالكاد يسمع
وامتى بدأت تتذكّر؟
من حوالي سنة ونص، قال وهو باصص للأرض كأنه خجلان من نفسه. كنت بحلم بيهم كل ليلة. باحلم بسارة وآدم. بتفاصيل حياتنا الصغيرة. وكنت بصحى الصبح وأنا عايز أبكي لأنّي مش عارف أروح لهم. ولما تأكدت أخيراً إن دول حقيقتي كنت محتار أوي. إرجع لزوجتي وابني اللي تركتهم من غير ذنب؟ ولا أفضّل الست اللي أنقذتني ووقفت جنبي في أصعب أيام حياتي؟ وكل ما أتأخرّ في القرار، كانت الحواجز بتكبر أكتر وأكتر لحد ما بقيت مش عارف كيف أهدمها.
آدم قرب منه بخطوة صغيرة، وقال بكل براءة
ممكن نكون كلنا مع بعض؟ بابا مش لازم تختار.
هو نزل لمستواه، حضنه بكل قوته، ودموعه سيلان على كتف ابنه، وقال بصوت متهدّج
يا ريت الدنيا بتعمل كده يا حبيبي. يا ريت.
جلست أنا وسلوى نتكلم بعدين، بعيد عنه شويّة، وكأنّا اتنين ضحاېا لظرف قاسې جداً. هي حكت لي إنها حبّته بكل صدق، وإنها ما كانتش تعرف حاجة عنّا، وإنها اختارت تثق فيه
لما قال لها إن عائلته رحلت. وأنا حكيت لها عن السنين التلاتة السوداء اللي عشتها، عن كل ليلة كنت مستنّاه يجي، عن كل مرة كنت
متابعة القراءة