رواية كامله
المحتويات
قادرة أتنفس، وسمعته بينادي بأعلى صوته
بابا!
الراجل وقف.
وببطء شديد
استدار ببطء شديد، وكل خطوة كان بيتحركها الزمن كان بيمشي معاها ببطء أكتر. لما واجهنا، وجهه كان هو نفسه الوجه اللي عشت معاه سنين، اللي كنت بشوفه كل صباح لما أصحى، واللي كنت أغمض عيني عليه كل ليلة قبل ما أنام. بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة غريبة نظرة عينيه ما كانتش بنفس الدفء اللي أعرفه، كأن فيه طبقة رقيقة غطّت كل حاجة بيننا، حاجة خفيّة مش عارفة أسمّيها إيه.
آدم وقف قدامه، عينيه بتلمع بالدمع وبالأمل مع بعض، ومدّ إيده الصغيرة اللي كانت بترتجف شويّة وقال
بابا أنا عرفتك من الندبة. وانت بتفرك إيدك زي ما كنت بتعمل دايماً.
الراجل بصّ له بتركيز، وشفاهه اتحركت كأنه بيحاول يخرج كلمة بس ما طلعتش. بعدين رفع إيده ببطء، ولمّ شعر آدم بخفّة ولمسة إيده كانت نفسها لمسة كريم، نفس النعومة ونفس الحنان اللي ما اتغيرش. سمعته بيهمس بصوت مهزوز
يا حبيبي يا آدم.
ساعتها أنا كنت واقفة كأنّي متسمّرة في الأرض، دموعي نازلة من غير ما أحسّ، وقلبي بيتقطع ألف قطعة ويرجع يتلمّ في نفس اللحظة. الكلمة اللي قالها اسم آدم. هو عرفه. يعني مش مجرد شبه خالص. يعني فيه حاجة هنا غريبة، حاجة ما تفسّرها الكلام.
الست اللي كانت معاه قربت بخطوة، ووجهها اتغيّر، بصّت لي ولآدم بدهشة وقلق وقالت
سامحوني أنا مش عارفة إيه اللي بيحصل هنا. انتو تعرفوا بعض؟
الراجل اللي كنت لحد دلوقتي مش عارفة أنادِيه بإيه الټفت لها بسرعة، وقال بصوت حاول يخليه واثق
دي دي ناس قدامى عرفتهم من زمان.
من زمان. الكلمة دى كانت طعڼة في
قلبي وفي نفس الوقت أمل. ليه ما قالش ما أعرفهمش؟ ليه صوته كان متردد كده؟ ليه عينيه ما كانتش عايزة تطلع منّي؟
قربت خطوة وأنا بحاول أثبّت صوتي اللي بيتهتزّ، وقلت لها بهدوء رغم كل العاصفة اللي جوايا
أنا زوجته. وده ابنه. كريم اختفى منّا من تلات سنين في رحلة صيد عند رأس البر. وكل حاجة فيه الندبة، الحركة، الوجه، صوته كل حاجة هي نفسها.
الست اتأثرت كلامي، ورجعت خطوة لورا كأنّي صعقتها، وبصّت له پصدمة وقالت
صحيح الكلام ده؟ قولي لي إنه مش صحيح اسمك عمر. عايش معايا من سنتين ونص. أخبرتني إن عائلتك ماتوا في حاډث.
سنتين ونص! يعني من أول ما اختفى تقريباً. يعني رجع وعاش حياة تانية من غيرنا. السكوت ساد بيننا طويلاً، وما حدش فينا عايز يكسره. بعدين هو اللي اتكلم بصوت تعبان ومكسور، بصّ لي مباشرة في عينيّ
أنا آسفة يا سيدتي. والله ما أعرفك. اسمي عمر. وابني ده شبه ابني، وشبه كل حاجة، بس أنا مش كريم.
كڈب. أنا عرفت من الطريقة اللي كلمّ بيّها. عينيه كانت بتتكلم غير الكلام اللي بيطلع من فمه. كان بيتألّم وهو بيقول كده. بس ليه؟ ليه يعمل كده؟ ليه يعيش حياة تانية وينسى اللي كان بيننا؟
آدم شدّ على إيده وقال بعناد الطفولة اللي ما يرضى بالخسارة
مش تصدقيه يا ماما! هو بابا! هو بيحبنا بس مش عايز يعترف!
الست اسمها سلوى، عرفتها بعد كده كانت بتعيش في صراع رهيب، عينيه بتدوران بيني وبينه، وهي حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتها زي ما كنت حاسة أنا. قالت بصوت مخڼوق
من فضلك قولي لي الحقيقة. لأنّي بحبّك يا عمر. وصدّقتك بكل قلبي. ولو فيه حاجة أخفيتها عنّي أنا أستحق أعرف.
هو تنهد بعمق، مسح وجهه بيديه كأنه بيحاول يمسح الماضي كله
متابعة القراءة